ديوان : زبور الفلبيني

 زبور الفلبينيِّ

مصعب الرمادي

زبور الفلبيني

____________________

الكاتب : مصعب الرمادي 

الكتاب : زبور الفلبيني 

تاريخ الطبع : أكتوبر 2023م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف

_________________________


أوراق مانيلا 

كانت تالا تمشي في سوق نزوى كأنها آتية من صفحةٍ انشقت من كتاب الأرخبيل الفلبيني، فتتمايل العباءة حول خصرها كأنها موجةٌ انسلخت من بحر العرب، ولا أحد يعلم هل هي التي تخضع لإيقاع السوق أم أن السوق نفسه يُعيد ترتيب بضائعه على وقع خطوتها. كنت أراها تتوقف عند بائع البهارات، تلمس أكياس الكركم بإصبعٍ خفيف، فيتطاير في الهواء غبارٌ أصفر يشبه ضوء صباحٍ أتى من مانيلا، ثم تضحك بخجلٍ ناعم، فتتهدّل المآذن القريبة في حنانٍ مفاجئ، كأنها تنحني لأول مرة منذ بنائها. وكلما مشت خطوة، اهتزّ الظلُّ تحت قدميها حتى بدا لي أن المدينة كلها تستدرجها نحو قلبها، كما تستدرج الجزرُ سفينةً وحيدةً لا تعرف غير التيه.

وعندما كانت ترفع شعرها فوق رأسها قبل الغروب، رأيت اللون الفاتح يتوهّج في الهواء مثل شمسٍ فلبينية هجينة جاءت لتجرّب الغروب العربي لأول مرة. كانت الشرفة الضيقة تتحول، بفضل هذه الحركة الصغيرة، إلى منصةٍ لأغنية خفية، كأن تالا تؤدي طقسًا نجميًا لا يُرى، طقسًا يربط بين سماء مسقط ورقصة شعبية تُؤدّى قرب كنيسة قديمة في المدينة الداخلية. وكنتُ، كلما رفعت شعرها، أحس أن أصوات العصافير تتوقّف بلا سبب، وأن ضوء النهار يتأنّى قبل أن يختفي، كأن الكون يكلّف امرأة واحدة بتأجيل انتهاء العالم.

وعندما كانت تدخل الشقة بعد يومٍ طويل، ينساب الهواء خلفها ويتبدّل من حدّته الخليجية إلى شيء يشبه رائحة فاكهةٍ مدارية قُطفت للتوّ من الأشجار التي تحرس نهر باسيغ في مانيلا. كان الباب يُفتح ببطء، وكأن المفتاح لا يتحرك إلا بفرمانٍ غير مكتوب، صادر من مدينةٍ بعيدةٍ لا تزال تحفظ في ضجيجها الطفولي سرًّا من أسرار الحنين البشري. وما إن تخطو داخل الشقة حتى ترتخي الجدران، وتلين المسافات، ويتحوّل صوت المكيّف إلى أنفاسٍ بشرية، كأن البيت نفسه أراد أن يغيّر جلده ليصير أكثر استعدادًا لوجودها.

وفي المطبخ، حين تنحني لتفتح الفرن، يسقط الضوء على كتفها فيتحول الجلد إلى صفحةٍ من مخطوطٍ قديم كُتب بماء جوز الهند، وأشعر بأن تلك الصفحة تُقلب وحدها، وأن حروفًا غامضة تظهر للحظة ثم تختفي. كانت حركة بسيطة، لكنها تفتح في رأسي بابًا لا يُغلق، وتجعلني أسمع أصواتًا أحسبها آتية من شواطئ سيبو، أو من بقايا معبد قديم في لوزون. لم أكن أعرف كيف يستطيع كتفٌ بشري أن يستدعي هذا القدر من التاريخ، ولكنني كنت أعلم أن الجمال حين يُضاء في المكان المناسب يصبح أكثر قسوة من الحقيقة نفسها.

وعلى شاطئ القرم، حين تمشي حافيةً، تترك آثار أقدامها كأنها نوتات موسيقية لأغنية لم تُعزف بعد، أغنية تتدرّب عليها الأمواج دون أن تنجح تمامًا. كنت أراقب الماء وهو يتقدم نحوها ثم يتراجع، كأن البحر كلّه يجرّب التواضع أمام امرأة واحدة، امرأةٍ يأتي نصفها من صخور الخليج، ونصفها الآخر من جزرٍ تضيء حول نفسها كأكاليل عيد الميلاد. كان الشاطئ ممتلئًا بالناس، لكنني لم أسمع سوى صوت خطواتها، كأن الرمل اختار أن ينطق فقط عندما تمسّه قدماها.

وفي الطريق الطويل بين نزوى ومسقط، حين تجلس بجانبي في السيارة، يسبق عطرها الكلام، ويتحوّل الزجاج الأمامي إلى نافذةٍ على شيء متداخل: بحر يفيض على صحراء، ومدينة خليجية تحتضن شمسًا فلبينية، وطريقٌ ينساب بصبرٍ لينتهي عند كتفها ثم يبدأ من جديد. كان صمتها في المقعد المجاور مثل جسرٍ يمتد من رئتي إلى خارطةٍ غير مرئية، وأحسستُ أن الأسفلت يغيّر نبرته، وأن المدن الواقفة على جانبي الطريق تقترب منّا حتى تكاد تلمس أصابعها هواء المقصورة.

وفي الليالي الحارة، حين تقف أمام المكيف، يتطاير شعرها مثل أعلامٍ صغيرةٍ من جزرٍ لا تنام، فتبدو كأنها أنشودة تتشكل أمامي من تلقاء نفسها. لم أكن أعرف كيف يستطيع الهواء أن يصبح موسيقى، لكنني كنت أراه يعيد كتابتي: يمحو من وجهي بعض التعب، يضيف فوق قلبي شوكةً من طربٍ نادر، ويجعل الليل أكثر استسلامًا لخطواتها الخفيفة. وكنتُ أسمع في تلك اللحظات رنينًا غامضًا يشبه صوت احتفالٍ بعيدٍ في كاتدرائية مانيلا، كأن الشعر نفسه يتنفّس من حولها.

وعندما ترسم حاجبها بخط دقيق، يمتدّ صمت الغرفة مثل وترٍ مشدود، وأشعر أن كل عواصم آسيا تتجمع حول يدها، تراقب كيف تُبنى معجزة صغيرة من طرف قلم. كانت تقف أمام المرآة، لكنها تبدو كأنها تقف أمام نافذةٍ على مدينةٍ تجهلها بعد، مدينةٍ تُشبه مسقط حين تكون صافية، أو تُشبه كالوكان عندما يتلألأ المطر فوق شوارعها. وكل خطّ ترسمه كان يضيف طبقة جديدة للحكاية، حتى صرت أوقن بأن الوجه البشري يستطيع أن يكون خريطةً إذا وجدت اليد المناسبة.

وفي المصعد، وهي تتحسس أزرار الطوابق، كان ظفرها يلمع مثل شفرة ضوء، ويكفي أن تقول " الثالث "  حتى يتغيّر الزمن، ويتحوّل الطابق القادم إلى وعدٍ لا يريد تفسيرًا. كنت أراها تنظر إلى المرآة في الجدار، وكأنها تتعرّف على نفسها من جديد في كل طابق، وتكتشف امرأةً أخرى كانت تنتظرها منذ زمن. وكان صمت المصعد يزداد، كأن محركاته تستمع إلى إيقاع قلبها، وتتعلم منه طريقةً جديدة للصعود.

وحين تخرج من الحمّام، والبخار يلتف حولها كضباب الجبال العمانية، يصبح المشهد كله مكتوبًا لمرة واحدة في التاريخ، ويعترف هواء الخليج بسلطان جمالها قبل أن ينحني. لم يكن المشهد حسيًا فحسب، بل كان أشبه بظهورٍ أسطوريّ لامرأة يعلم الجسد أنها عابرة، بينما يعلم القلب أنها لا تعبر أبدًا. رأيت في البخار شيئًا من الضباب الذي يغمر جبال لوزون، شيئًا من بخار الموانئ التي تلمع عند الفجر في مانيلا، وشيئًا من رغبةٍ قديمة كانت تبحث عن جسدٍ تتجسد فيه.

ثم في إحدى ليالي مطرح، حين جلسنا على مقربة من البحر، بدت تالا كأنها تنتمي إلى صمت المرافئ أكثر مما تنتمي إلى أي مدينة، كانت تنظر إلى السفن في الأفق بعينين تقدران على قراءة لغاتها. لم تقل الكثير، لكنها قالت ما يكفي لأفهم أن قلبها، رغم كل هذه الجغرافيا، لا يزال معلّقًا بطفولةٍ رطبةٍ عند سفوح أشجار المانجو. وكان البحر، وهو يعترف بفلسفته القديمة، يرسل نحونا موجةً بعد أخرى، كأنه يقرأ علينا قصةً لا يريد أحد أن ينتهي منها.

وفي الجبل الأخضر، حين صعدنا الطريق المتعرج، اعتقدتُ لأول مرة أن السماء يمكن أن تنحني لتقترب من امرأة. كانت تالا تُشير إلى الضباب المتدلّي من السفوح، وتضحك ضحكة قصيرة تشبه انكسار لؤلؤة. وقالت لي إن الضباب يذكرها بريفٍ في لاغونا، حيث كانت تركض طفلةً وراء الدجاج، ثم تجلس مع جدتها التي تحفظ مئة أغنية دون أن تعرف القراءة. كنتُ أنظر إليها وأفكر: كيف يستطيع الماضي، حين يُروى بهذه البساطة، أن يصبح امتدادًا طبيعيًا ليدٍ تلمس ذراعك؟

وعندما زرنا سوق مطرح القديم، كانت تالا تتحرك بين الدكاكين كأنها جزءٌ من حكايةٍ لم يكتبها أحد بعد، وكانت عينها تلتقط الأشياء بدقة امرأةٍ تعلم أن الزمن يكتب تاريخه من روائح العطور والفضة. لمست قارورة عطرٍ صغير، فاهتزّ الضوء فوق غطائها، كأن العالم أراد أن يخبرها بأنه يعترف بها. وكنتُ أتبع خطواتها، وأشعر بأنها تقودني نحو بابٍ مفتوحٍ على مدينةٍ تقع بين مسقط ومانيلا، لكنها لا تشبه أيًّا منهما تمامًا.

وفي ميناء الدقم، حين وقفنا نراقب السفن الثقيلة، بدا البحر كأنه يلتفت إليها وحدها. كانت عيناها تتسعان مع كل سفينةٍ تقترب، كأنها تنتظر شيئًا لم يكتمل. وقالت إنها تحب السفن الكبيرة لأنها تذكّرها بأن الإنسان مهما ادّعى الثبات فهو دائم الرحيل. ضحكت عندما قلت لها إنني سفينة صغيرة، وقالت إن السفن الصغيرة تعرف الطريق أكثر من غيرها لأنها تخاف الغرق. ومن تلك اللحظة، صار الخوف نفسه جزءًا من حوارنا.

وعندما مشينا في شوارع مسقط القديمة، لمست تالا جدارًا أثريًا بأطراف أصابعها، وقالت إنها تسمع صوته. سألتها ماذا يقول، فقالت: "يقول إنك جئت متأخرًا، لكنك جئت" .كانت تلك الجملة كفيلة بأن تجعل المدينة كلّها تتغير حولي: أبواب أصفرّت من العمر، مصابيح حمراء فوق المحلات، رائحة بخورٍ تخرج من زقاقٍ لا ينتهي. وفي كل ذلك، كانت تالا تسير ببطءٍ عجيب، كأنها تتأكد أن المدينة تحفظ خطواتها في سجلّها.

وحين سافرنا إلى صور، كانت تالا تنظر إلى البحر وكأنها ترى فيه انعكاسًا لمانيلا لا لسطح الخليج. قلت لها إن البحر واحد، فقالت إن البحر لا يكون واحدًا إلا في العيون التي تبحث عن نفسها. كان كلامها بسيطًا، لكنه احتوى الحكمة التي لا تأتي إلا من طفولةٍ قضتها بين العواصف والمطر. وعندما جلست على صخرةٍ مواجهة للماء، بدت كأنها نُحتت من الضوء، ضوءٍ يجمع بين انكسار الشمس العمانية وبريق فوانيس مانيلا ليلًا.

وفي المسجد الكبير، حين دخلنا الساحة الواسعة، توقفت تالا فجأة وقالت إنها تشعر بأن المكان يُضيء وحده، وأن الناس هنا يحملون صمتًا يختلف عن صمت الفلبينيين. قلت لها إن الصمت صلاة، فقالت: “والصلاة لغة. وكل لغة لا نعرفها تشبه المعجزة.” لم أكن أعلم أن امرأة يمكن أن تعلّمني دينًا آخر وأنا داخل مسجدٍ أعرفه منذ سنوات. لكن كلامها كان يفتح أبوابًا ما كنت أعلم أنها مغلقة في داخلي.

وفي مزارع النخيل قرب نزوى، حين وقفت تالا تحت ظلّ شجرةٍ عالية، بدا لي أن الشمس تتحرك حولها لا فوقها. كانت تشم رائحة الأرض برهافةٍ تشبه دهشة طفل، وقالت لي إنها لا تفهم كيف يستطيع نخيل واحد أن يحمل هذا القدر من الحياة. وعندما لمست جذع الشجرة، أحسست أن حرارة الأرض تصعد إلى يدها، ثم تنتقل إليّ. تلك الحركة الصغيرة كانت كفيلة بأن تجعل المكان كلّه يتغيّر: الريح، الظلال، وحتى صوت المياه الجارية في الفلج.

وفي فجر أحد الأيام، حين استيقظتُ لأراها تنظر من الشرفة نحو الطريق الساكن، أدركت أن المدن الكبرى تُصنع من امرأة واحدة، وأن الجغرافيا كلها مجرد محاولةٍ لفهم خطوةٍ تمشي بين غرفتين. كانت تالا تحدّق في البعيد، في طريقٍ يقود إلى مسقط، وفي طريقٍ آخر يقود إلى مانيلا، ثم قالت: "المكان الذي يحبّك هو المكان الذي لا يتركك تمشي وحدك" .  تلك العبارة جعلتني أستعيد كل المدن التي مررت بها، وأفهم لماذا بدت لي كلها ناقصةً قبل أن أعرفها.

وفي المقعد الأخير من هذا النص الطويل، حين صمتت تالا وفكّت غرتها لتترك الشعر ينسدل على كتفيها، بدا المشهد كأنه خاتمةٌ لا تُكتب إلا مرة واحدة. شعرتُ أن الجمال، حين يحين وقته، لا يعلن حضوره، بل يصمت. وسمعتُ، في هذا الصمت، خريطةً كاملة تُعاد كتابتها: خريطة الخليج، خريطة الفلبين، خريطة القلب الذي لم يعد يعرف أين يبدأ وأين ينتهي. وكل ما استطعت قوله في النهاية هو أن وجودها لم يكن حدثًا، بل كان جغرافيا جديدة، جغرافيا تُكتب بالهواء، وتُقرأ باليد التي تفتح الباب، وتُحفظ فقط في أوراق مانيلا.

_

يتبع

____

نوفمبر 2019م     

ديم حمد - القضارف    


تعليقات

المشاركات الشائعة