ديوان : 4 أوقات لنوافل فاطمة القروية
4 أوقات لنوافل فاطمة القروية
مصعب الرمادي
4 أوقات لنوافل فاطمة القروية
_________________
الكاتب : مصعب الرمادي
الكتاب : 4 أوقات لنوافل فاطمة القروية
تاريخ الطبع : مارس 2026م
حقوق التأليف والطبع محفوظة للمؤلف
____________________________________
*إلى روح الشاعر : محمد محي الدين
__________________________
1
الفجر الأول من ذاكرة المدينة
كانت مدني تفتح عينيها مثل كتاب قديم
النيل الأزرق يمرّ ببطء
والسوق الكبير يتثاءب
وفاطمة القروية تمشي في الطين
كأنها تحفظ أسماء الشوارع
وتعدّ حبات القمح التي سقطت من تاريخ الجزيرة
ثم ترفع نافلة خفية كي لا يسقط الضوء من قلب المدينة .
2
المدينة التي بناها الفلاحون
لم تكن حجارة فقط
كانت أصواتاً ومواسم
وكانت حكايات يرويها البنطون القديم
وكان النيل الأزرق يتلو سيرة القرى
وفاطمة القروية تصلي
كأن الصلاة وثيقة ملكية للأرض
وكأن الدعاء دفتر حضور للذين زرعوا القطن ثم رحلوا.
3
قبل أن يأتي الغبار
كانت مدني تعيش مثل قصيدة
الطلاب يخرجون من مدارسهم
والمقاهي تفتح نوافذها
والباعة يضعون التمر في السلال
والمدينة كلها تشبه حكاية صغيرة
وفاطمة القروية تقول في صمتها
إن المدن أيضاً تصلي حين يكثر الضوء.
4
في الضحى
كان التاريخ يقف عند أبواب البيوت
يسأل عن أسماء الذين مروا
عن الشعراء
وعن صخب الندوات
وعن الدفاتر التي كتبت سيرة الجزيرة
وكانت المدينة تردّ بضحكة خفيفة
وفاطمة القروية ترفع يدها
كي لا يضيع صوت الأذان بين أشجار النيم.
5
قصة كوبري حنتوب
ليست جسراً فقط
بل ذاكرة عبور
طلاب يعبرون إلى الجامعة
وأمهات يلوحن لأبنائهن
والنهر يشهد على خطوات العابرين
وحين تمر فاطمة القروية
يقول الحديد القديم
إن المدن لا تسقط طالما أن أحداً يصلي لها.؟
6
كانت الأحياء تنام مطمئنة
حي الدرجة
وحي الزمالك
وحي المنيرة
وحي المدنيين
كل حي يشبه فصلاً من رواية طويلة
وفاطمة القروية تمشي بينها
كأنها تقرأ كتاباً مفتوحاً على أصوات الناس.
7
في حي الدباغة
كانت الروائح القديمة تحكي تاريخ الحرفيين
وفي حي دردق
كانت الحكايات تولد من ضحكات الأطفال
والمدينة تبدو مثل مسرح كبير
وفاطمة القروية تعرف
أن المدن التي يكثر فيها الضحك
لا تموت بسهولة
8
لكن الريح جاءت
تحمل اسماً ثقيلاً
وتحمل صوت الخيول
وتحمل غباراً يشبه النبوءة
قالت فاطمة القروية
إن التاريخ أحياناً يعود على هيئة عاصفة
لكن الدعاء
أقدم من كل العواصف
9
اجتياح المدينة
لم يكن مجرد حدث
كان زلزلة في قلب الذاكرة
البيوت أغلقت نوافذها
والشوارع صارت مرايا للخوف
والأشجار انحنت
وفاطمة القروية ظلت واقفة
تقرأ الفاتحة على أبواب البيوت
10
في تلك الليلة
كان ود مدني
يشبه كتاباً ممزقاً
صفحات محترقة
وأصوات بعيدة
وأطفال يبحثون عن ظل
وفاطمة القروية تقول
إن المدن حين تبكي
تصلي السماء معها
11
قال النيل الأزرق
إنه رأى مدناً كثيرة
لكن مدني مختلفة
لأنها مدينة الفلاحين
ومدينة الطلاب
ومدينة القصائد التي كتبت على ضفاف الطين
وفاطمة القروية تصغي
كأن النهر شيخ عجوز يحكي التاريخ
12
الدمار
لم يكن حجارة مكسورة فقط
بل مكتبات صامتة
ومدارس بلا أصوات
ومقاهٍ بلا جدالات
والمدينة تشبه قصيدة ناقصة
وفاطمة القروية تقول
إن القصائد تعود دائماً
13
حكاية عجائبية من حي الدرجة
قالوا إن امرأة عجوز
كانت تخبئ مفاتيح البيوت تحت شجرة نيم
وحين عاد الناس
وجدوا المفاتيح كما تركوها
قالت العجوز
إن الشجرة كانت تحرس المدينة
14
وفي حي الزمالك
قالوا إن طفلاً رأى ضوءاً
يمشي في الشارع ليلاً
وحين اقترب
وجد امرأة تصلي
قالوا إنها فاطمة القروية
تحرس الأزقة بالدعاء
15
وفي حي المنيرة
حكى رجل
أن بيتاً احترق
لكن المصحف بقي سليماً
قالت فاطمة القروية
إن الكلمات التي تحفظها السماء
لا تحترق
16
أما حي المدنيين
فكان يروي حكاية الصمود
رجال يقفون عند الأبواب
ونساء يخبزن الخبز
وأطفال يرفعون الأعلام الصغيرة
وفاطمة القروية تقول
إن الشجاعة صلاة أيضاً
17
وفي حي الدباغة
عاد الحرفيون
وغسلوا الجلود
وقالوا إن المدينة تحتاج إلى عمل
كما تحتاج إلى الدعاء
وفاطمة القروية تبتسم
كأنها تعرف أن العمل نافلة أخرى
18
أما حي دردق
فقد روى حكاية مختلفة
قالوا إن الطيور عادت
وبنت أعشاشها فوق البيوت
قالت فاطمة القروية
إن الطيور تعرف متى يعود السلام
19
بعد الحرب
بدت مدني مثل طفل يتعلم المشي
الطرقات مليئة بالغبار
لكن الأشجار ما زالت واقفة
والناس يعيدون ترتيب الذاكرة
وفاطمة القروية تصلي
كي لا يسقط المستقبل
20
المدينة التي نجت
ليست هي نفسها
لكنها أكثر حكمة
وأكثر صمتاً
وأكثر قرباً من السماء
وفاطمة القروية تعرف
أن المدن التي تمر بالحروب تصبح كتباً مقدسة
21
عند كوبري حنتوب
وقف رجل عجوز
قال إن الجسر رأى كل شيء
الطلاب
والعشاق
والهاربين من الحرب
وفاطمة القروية
كانت تصلي فوق الضفة الأخرى
22
النهر يمرّ
كأنه لا يريد أن يتذكر
لكن الطين يحتفظ بكل شيء
خطوات الجنود
وبكاء الأمهات
وصوت الدعاء
وفاطمة القروية تقرأ سورة الصبر
23
مدني بعد الحرب
تشبه شجرة جريحة
لكنها ما زالت خضراء
الأغصان مكسورة
لكن الجذور عميقة
وفاطمة القروية تقول
إن المدن مثل الأشجار
24
الضحى يعود
والأسواق تفتح أبوابها
والأطفال يركضون من جديد
والمدينة تحاول أن تتذكر نفسها
وفاطمة القروية ترفع نافلة أخرى
25
قال شاعر قديم
إن المدن التي يكثر فيها الشعر
لا تموت
ولهذا
حين مرت روح محمد محي الدين
فوق مدني
قالت
إن القصيدة ستبقى.
26
دخل الجيش من المحاور الثلاثة، الجنوب والغرب والشرق،
وكأن المدينة تنتظر بقلق صامت،
الحقول تهتز من صوت الدبابات،
وفاطمة القروية ترفع يدها نافلةً على كوبري حنتوب،
والأطفال يختبئون خلف أبواب المنازل،
لكن حي مارنجان يصرخ بصوت صمود،
والأمهات يخبزن الخبز مثل السيوف الصامتة.
27
حي المكي يذكر أن النيل الأزرق لم ينقطع عن السرد،
وكل منزل يحمل أثراً من الحكايات القديمة،
والحرفيون يعيدون ترتيب أدواتهم،
وكأن المدينة تعلم أن الحرب ليست النهاية،
وفاطمة القروية تصلي وسط الغبار،
والطيور تمرق بين الأشجار المكسورة،
تعيد تلوين السماء بخيوط الضوء الباهت.
28
حي الأندلس يفتح أبوابه للريح،
وحي حبيب الله ينحني تحت وطأة الصمت،
وعووضة تروي قصص الأسرى الذين خرجوا من سجون الدعم
السريع،
والمطار يعيد الحياة لمطارده القديم،
وفاطمة القروية تعدّ النافلات كالنجوم،
لكل شارع نافلة، لكل نافلة أمل،
لكل أمل قلب المدينة الذي ينبض رغم الخراب.
29
الموظفين والمزاد والجامعة،
أماكن كانت مكتظة بالحركة قبل الغزو،
الآن تعيد ترتيب نفسها بين ركام الأبنية،
والأصوات تعود شيئاً فشيئاً،
وفاطمة القروية تمرّ بين المقاعد والمكتبات،
تقرأ أسماء الطلاب المفقودين،
وتكتب صمتهم على جدران المدينة المتعبة.
30
حي ناصر وشندي فوق وحي بانت،
كانوا مثل فصول رواية متفرقة،
المدينة كلها تحمل شظاياها،
ورغم الدمار يبقى صوت الناس واضحاً،
وفاطمة القروية تصلي لكل حي،
لكل زاوية تاريخها الخاص،
لكل نافلة حكاية منسية عن الصبر.
31
جزيرة الفيل تستعيد مياهها،
والأشجار القديمة تعود لتسرد أسماء الفلاحين،
كل خطوة على الطين تذكر بذاكرة الماضي،
والأطفال يلهون على أطراف الطريق،
وفاطمة القروية تعيد قراءة خريطة المدينة القديمة،
كل نافلة في كل حي كأنها حجر يوضع فوق الركام،
كل حجر يصبح نافلة، وكل نافلة يصبح تاريخاً.
32
مارنجان تستيقظ على صوت العمال،
والمكي يشهد عودة الباعة إلى أسواقه،
والأندلس يحكي عن طلابه الذين عادوا للمدارس،
وحي حبيب الله يفتح بيوتاته للنساء اللواتي خبزن الخبز،
وعووضة تعيد ترتيب الأسواق،
وفاطمة القروية ترفع دعاءً على كل شارع،
كأن كل حرف في الدعاء يصبح شعاع نور في المدينة.
33
المطار يعيد نفسه إلى السماء،
والموظفين يفتحون أبواب الإدارات،
والمزاد يضج بالناس من جديد،
والجامعة تنبض بالحياة،
وحي ناصر وشندي فوق وبانت
يتبادلون الأخبار عن الأسرى الذين تحرروا،
وفاطمة القروية تصلي في كل زاوية كأنها تحفظ المدينة من
النسيان.
34
الأحياء القديمة كانت شاهدة على اجتياح الجنجويد،
لكنها صمدت رغم الدمار،
والناس عادوا ببطء،
إلى بيوتهم وحقولهم وأسواقهم،
وفاطمة القروية تراقب كل حركة،
تصلي لكل من فقد شيئاً،
لكل من فقد مدينة وأمل، ولكل من عاد ليعيد بناءها.
35
حي مارنجان يروي حكاية عجائبية،
عن امرأة حملت الماء للجنود المصابين،
وعن طفل وضع زهرة في مدخل بيت محترق،
وحي المكي يشهد عودة الحرفيين إلى أعمالهم،
وحي الأندلس يتحدث عن أساتذة أعادوا الكتب إلى الرفوف،
وفاطمة القروية تصلي، كل صلاة نافلة،
لكل بيت ولكل حائط يحمل ذكرى.
36
حي حبيب الله يروي كيف كان الجنود يمرون بين الأزقة،
وعووضة كيف اختبأ الأطفال وراء الأسوار،
والمطار كيف شهد وصول أول طائرة بعد الحرب،
وفاطمة القروية تمشي بين الركام،
تقرأ أسماء القتلى، وتعدّهم دعاءً،
وتعيد لكل حي هويته،
لكل نافلة صدى جديد في المدينة.
37
الموظفين والمزاد والجامعة،
كلها استعادت جزأً من نفسها،
الأصوات تعود، والحياة تتسلل بين الأنقاض،
وفاطمة القروية تصلي على كل خطوة،
التي كتبها التاريخ بقلم الحرب،
التي تركها الجنود مثل آثار أقدام في الطين،
كل أثر يصبح نافلة، وكل نافلة تاريخ.
38
حي ناصر وشندي فوق وبانت
يحملون قصص المقاومة،
عن رجال صمدوا رغم القصف،
وعن نساء حملن الطعام والدواء،
وفاطمة القروية تعدّ النافلات،
لكل حي نافلة، لكل نافلة قلب المدينة،
لكل قلب صرخة، ولكل صرخة ضوء.
39
جزيرة الفيل تعود إلى نفسها،
والنخيل يهمس بأسماء الفلاحين،
والمياه تعكس السماء،
والأطفال يركضون على ضفافها،
وفاطمة القروية ترفع دعاءها،
كي تصبح كل نافلة حجر في بناء جديد،
كي تصبح المدينة قصيدة لم تنتهِ.
40
في مارنجان والمكي والأندلس،
يعود الطلاب إلى مدارسهم،
والأسواق تعيد ترتيب نفسها،
وفاطمة القروية تصلي لكل من فقد بيته،
لكل من فقد كتابه، لكل من فقد حياة،
لكل شارع نافلة، لكل نافلة ذكرى،
لكل ذكرى مدينة جديدة تبنى من الركام.
41
الشاعر يجلس على آثار المدينة المحطمة،
يداه على ركبتيه، عيناه في النيل الأزرق،
يتأمل الماء الذي يمرّ كما لو كان يختزل الزمن كله،
النخيل يهتز في صمت، يحمل ذكرى الشهداء والمهجّرين،
ويعود صدى صوت فاطمة القروية من بين الأمواج،
كأنها تقول: لكل نافلة في المدينة معنى،
ولكل معنى حنين إلى ضوء القطن الأبيض النقي.
42
كوبري حنتوب صامت، لكنه يتنفس الخراب والذاكرة،
أسلاك الحديد كأنها أوتار عزفتها الريح على جدران
المدينة،
وفندق يوغوسلافيا يفتح أبوابه للهواء المتعب،
يحمل أسماء الضحايا على لوحاته الزجاجية،
وفندق كونتنتال يهمس بالقصص التي لم تُروَ بعد،
وفندق إمبريال يطل على شارع النيل مثل شاعر صامت،
وفندق إنترناشنال يضم في قلبه شظايا المدينة المبعثرة.
43
منتزه مسك الختام يرسل عبق الأرض بعد المطر،
والشاعر يستلقي على العشب كما لو أنه يحاول سماع
المدينة،
حلويات الشانزلزية وحلويات سلا تنتظر الأطفال الذين لن
يعودوا،
وحواشات مشروع الجزيرة الزراعي تذكر بالعمل والخصوبة،
والشاعر يكتب صمتًا على رمال النهر،
كل كلمة نافلة، وكل نافلة جسر إلى الماضي،
وكل جسر يعبر عبر روح المدينة المُنهكة.
44
الشاعر يرفع رأسه إلى السماء، يرى طيورًا تعود بعد
الغياب الطويل،
كل جناح يحمل رسالة من الشهداء،
النهر يجمع بين ما كان وما أصبح،
والأشجار تهمس بأسماء الذين غادروا،
الشوارع تتلوى تحت الشمس الغاربة،
وفاطمة القروية تتحدث في صمت،
تقول: كل نافلة صمود، وكل صمود قصيدة لم تُكتب بعد.
45
المدينة لم تعد المدينة، لكنها روح تحت الرماد،
كل نافذة تحمل صدى صوت، كل باب يحمل ذكرى،
الشاعر يمشي بين أطلال الفنادق،
يمسح الغبار عن اللوحات القديمة،
ويتذكر محمد محي الدين الذي رحل،
ويقرأ صمت المدينة كقصيدة طويلة،
كل حرف في صمتها نافلة، وكل نافلة صلاة.
46
شارع النيل يتحرك بين الضفتين،
يتذكر الأضواء التي كانت تعكس وجوه البشر،
والشاعر يتذكر ضحكات الأطفال،
يهمس لهم: لقد نجت المدينة، لقد بقيتم في القلب،
وفاطمة القروية تصلي في الهواء،
تنقل النافلة من طرف النهر إلى طرفه الآخر،
لتغطي كل زاوية بكل الضوء الممكن.
47
الشاعر يجلس تحت ظل الأشجار،
يمسك يداه ببطء على قلبه،
يحاول استيعاب الخراب، المحبة، الرحيل، العودة،
كل شجرة تحمل كتابًا لم يُقرأ بعد،
كل نافلة صدى للشجاعة،
والأرض تتحدث بلغة فاطمة القروية،
وتقول: من الموت يولد الضوء، ومن الركام ينهض القلب.
48
كوبري حنتوب، الفنادق، شارع النيل، المنتزه،
كلها رموز لنصف المدينة، لنصف العالم،
الشاعر يقرأها كأنه يقرأ تاريخًا مشوهاً،
لكنه يرى الأمل في كل شظية،
كل حجر على الطريق نافلة، كل نافلة صرخة،
كل صرخة تنادي: لقد نجت الروح، لقد بقي القلب،
وفاطمة القروية تتبع كل خطوة، كأنها تحفظ المدينة من
النسيان.
49
الشاعر في ود مدني هو الرمز،
لوزة القطن البيضاء النقية، صمود الفلاحين، ذكريات
الحرب،
الخراب والدمار لا يمس القلب الذي يعرف أن الحياة تستمر،
النهر يشبه شريانًا، يحمل المياه والحكايات،
والأشجار ترسم خرائط العودة،
وفاطمة القروية تصلي في كل نافلة،
كل نافلة تضيف لمعانًا جديدًا للنهر والقلب والمدينة.
50
فندق يوغوسلافيا يهمس بصوت الماضي،
وفندق كونتنتال يحمل عبق الأعياد والضحك القديم،
وفندق إمبريال يذكر بأيام الاستقبال والاحتفاء،
وفندق إنترناشنال يحمل صدى الغياب والرحيل،
الشاعر يكتب صمتهم في دفتر النافلات،
ويقرأ الخراب كقصيدة ممدودة،
كل حرف نافلة، وكل نافلة حياة محتملة.
51
ود مدني ترتفع 409 أمتار فوق سطح النيل الأزرق،
مدينة نصفها ماء، ونصفها ضوء،
تسكن بين أطياف مشروع الجزيرة،
والشاعر يجلس على حافة الرصيف، على بقايا شارع النيل،
يمسح بصره على الفنادق: يوغوسلافيا، كونتنتال، إمبريال،
إنترناشنال،
والنهر يمرّ مثل شريان الحياة القديم،
وكأنه يحمل ذاكرة الاستعمار، الخراب، والمقاومة.
52
الشاعر يرى المدينة بعد تحريرها، بعد رحيل الجنجويد،
بعد أن عادت الروح إلى الأبنية المهدمة،
ويترحم على أرواح الشهداء، على المهجّرين،
ويعرف أن كل نافلة صلاة،
وكل صلاة إعادة بناء،
والأشجار تحتفظ بأسماء الفلاحين الذين زرعوا القطن
الأبيض،
والشوارع كأنها قصيدة طويلة مكتوبة على التراب.
53
كوبري حنتوب صامت،
لكن الشاعر يسمع صدى مرور القوافل والجنود،
ويمر على منتزه مسك الختام،
حيث الهواء يعبق برائحة حلويات الشانزلزية وحلويات سلا،
وحواشات مشروع الجزيرة الزراعي تتلو نصوص الأيادي التي
حرثت الأرض،
الشاعر يقرأ الخراب كأنّه نص شعري،
ويكتب النافلات كأنها إشارات النجوم على الماء.
54
مدينة الوادي الأزرق تحمل أجيالها في طياتها،
من الفقيه محمد الأمين ابن مدني السني،
إلى الشيخ مالك أبو روف الرفاعي،
كل حجر في المدينة يحمل أصوات العصور،
كل نافلة صدى الماضي،
كل صرخة شمس مرت،
والشاعر يحسب الزمن حسب لون القطن،
كل لوح يقرأ كقصيدة، كل نافلة نافذة على التاريخ.
55
في الفنادق، في شارع النيل، في قاعة يوغوسلافيا،
الشاعر يرى المدينة كما كانت قبل الغزو،
ويقرأ آثار الحرب على جدران الكونتنتال،
وفي إمبريال وإنترناشنال،
يعثر على رموز الحياة اليومية الضائعة،
كل نافلة صلاة لكل ضحكة اختفت،
كل ضحكة نور، وكل نور نافلة.
56
المدينة تروي له صمتها،
تاريخ الاستعمار والحقب التركية،
غزو إسماعيل باشا، الحرب المهدية، الحكم الثنائي،
كل مرحلة حجر، كل حجر نافلة،
وود مدني ترفع رأسها بعد كل صدمة،
النهر يعكس السماء كما يعكس الماضي،
والشاعر يكتب كل نافلة على ضفافه.
57
المحطات الأولى للسكة الحديد، المستشفى العسكري، الجامع
الكبير،
كلها رموز للتخطيط العمراني الأول،
والحي البريطاني القديم، والحي السوداني،
أسماء لا تنسى،
تاريخ يمرّ مثل خيط من ضوء في الممرات،
كل نافلة تذكر الحرفيين، التجار، الطلاب، الفلاحين،
كل خطوة إعادة بناء للذاكرة.
58
شارع النيل ينساب بين الفنادق والمنتزهات،
والشاعر يمرّ على أطلاله، يقرأ الخراب والرجاء،
كل نافلة صلاة،
كل صلاة إعادة ترتيب للمدينة في رأسه،
النهر يحمل صدى كل قافلة حاصلات،
وكل قافلة نافلة، وكل نافلة حياة محتملة،
المدينة تحيا في صمت الشعراء.
59
حلويات الشانزلزية وحلاوة سلا تمرّ كأوراق في الريح،
تذكر الأطفال الذين غادروا والذين عادوا،
وحواشات المشروع الزراعي تصرخ بالحياة،
والشاعر يكتب الصمت،
الصمت يصبح قصيدة،
والقصيدة تصبح نافلة،
والنافلة تصبح ضوءًا في الخراب.
60
النهر يتلو أسماء الماضين،
والأشجار تكتب على الهواء صرخات العودة،
الفنادق تحفظ الأرواح والذكريات،
والشوارع تحمل خطوات المقاومة،
والشاعر يتأمل الخراب ويعدّ كل نافلة صلاة،
كل صلاة تؤسس لحياة جديدة،
والمدينة تبتسم بين الحطام والنور.
61
ود مدني مدينة مرت بمراحل التاريخ،
من الفقيه محمد الأمين إلى مشروع الجزيرة،
كل عصر نافلة، كل نافلة صدى،
الخراب يصبح نافلة، النافلة تصبح حياة،
والشاعر يمرّ على كل زاوية،
يمسح الغبار عن الخراب،
ويقرأ كل أثر كقصيدة منسية.
62
كوبري حنتوب، الفنادق، النهر، المنتزه،
كلها رموز صمود،
كل نافلة تروي قصة جديدة،
الشاعر يجلس على أطلال فندق يوغوسلافيا،
يتأمل الأشجار والنهر،
ويكتب صلاة على كل نافلة،
المدينة تنبض بروح المقاومة.
63
في شارع النيل، في بقايا الحرفيين،
يقرأ الشاعر أسماء الذين لم يعودوا،
والأطفال، والضحكات المفقودة،
والنافلات تصبح جسورًا بين الماضي والحاضر،
وكل ضحكة نافلة،
وكل نافلة نور،
والشاعر يحفظ المدينة في قلبه.
64
النهر يحمل كل شيء:
الخراب، الصمود، الضحك، الدموع،
والأشجار تهمس بالعودة،
وفاطمة القروية في الهواء، تصلي لكل خطوة،
كل خطوة نافلة، كل نافلة حياة،
والشاعر يتعلم أن المدينة نافلة،
وكل نافلة قصة لا تموت.
65
في الفنادق، المنتزهات، وحواشات المشروع،
المدينة تعيد ترتيب نفسها،
الشاعر يقرأها ككتاب،
كل نافلة صمت، كل صمت نافلة،
كل نافلة تحكي عن المقاومة،
كل نافلة ضوء،
والمدينة تصلي معه.
66
ود مدني بعد الحرب، بعد الجنجويد،
تستعيد روحها،
كل نافلة صلاة على الركام،
كل نافلة حياة على الأطلال،
والنهر يمرّ كحامل ذكرى،
والأشجار تصنع ظلالًا على الضفاف،
والشاعر يكتب كل نافلة كقصيدة طويلة.
67
الفنادق تشهد على الماضين،
شارع النيل يتلو قصصاً للمدينة،
الحلويات تمرّ كذكريات عابرة،
والحواشات تهمس بالحياة المستمرة،
والنافلات تتحول إلى نوافذ،
النوافذ إلى ضوء،
والضوء يصبح قصيدة صامتة على الماء.
68
كل نافلة نافلة، وكل ضوء نافلة،
الشاعر يتأمل الخراب، يسجل النافلات،
كل خطوة في المنتزه نافلة،
كل زهرة في حلويات الشانزلزية نافلة،
وكل حبة قطن في الحواشات نافلة،
المدينة تصبح كتابًا،
والشاعر حارس صفحاتها.
69
النهر يمرّ بين الفنادق،
كأنه يحمل كلمات لم تكتب بعد،
كل نافلة صلاة،
كل صلاة شمس،
كل شمس حكاية،
والمدينة تهمس لكل من يسمع: لقد نجت الروح،
والشاعر يستمع للمدينة.
70
الشاعر يرفع يديه على ضفاف النهر،
يصلي على من رحلوا،
يصلي على من عادوا،
يصلي على الخراب، على الفنادق،
على المنتزه، على الأشجار،
كل صلاة نافلة، كل نافلة نافذة،
والمدينة تنظر إليه بعينين مفتوحتين.
71
ابتسمْ… هكذا قال الشاعر لنفسه وهو يعبر ظلّ النهر،
ابتسم يا قلب، فهذه المدينة تعرف كيف تنهض من الرماد،
هنا في ود مدني، حيث يلتقي الوسط بالسودان كله،
حيث القطن الأبيض مثل صلاة طويلة للفلاحين،
وحيث النهر يكتب سيرة البلاد على صفحة الماء،
ابتسم… فالثقافة هنا ليست كلمة،
بل تاريخ يمشي على قدمين بين الأشجار.
72
ثقافة الوسط السوداني مثل حقل قطن،
متعددة الخيوط، هادئة، عميقة،
ليست صاخبة مثل مدن الساحل،
لكنها تحمل سر البلاد في قلبها،
المركز هنا ليس الخرطوم وحدها،
بل هذا الوسط الذي يربط الجهات كلها،
والشاعر يرى السودان في مرآة النهر.
73
المركز، الوسط، الهامش…
ثلاث كلمات تدور حول بعضها مثل كواكب،
والشاعر يعرف أن الثقافة ليست حدوداً إدارية،
بل حكايات الناس وهم يزرعون الأرض،
وهم يغنون للحصاد،
وهم يقاومون الخراب،
وهكذا تصبح ود مدني نافذة على السودان كله.
74
رحيل محمد محي الدين كان مثل صاعقة،
الشاعر الذي كان يمشي في شوارع مدني
كأنه يعرف أسماء الأشجار واحداً واحداً،
ترك المدينة في صمت ثقيل،
لكن القصائد بقيت في الهواء،
تدور حول دار رابطة الجزيرة للأدب والفنون،
كأنها طيور لا تريد أن تغادر.
75
في دار الرابطة،
يجلس الشاعر القادم من القضارف،
يتأمل الكراسي الفارغة،
يتذكر الأصوات التي كانت تعلو بالنقاش والقصائد،
كانت مدني مدينة الشعراء،
مدينة الفن والجمال،
والآن تحاول أن تستعيد صوتها بعد الحرب.
76
ابتسم… مرة أخرى،
قال الشاعر للنهر وهو ينظر إلى الضفة الأخرى،
فالنهر لا ينسى المدن التي تحبه،
حتى لو مرّت عليها جيوش الخراب،
حتى لو كسرت الحرب أبواب الفنادق،
فالذاكرة مثل الماء،
تجد طريقها دائماً.
77
لكن المدينة تعرف أيضاً الوجه الآخر للزمن،
تعرف صهيل الخوف عندما اجتاح الجنجويد الطرقات،
تعرف البيوت التي انطفأت فجأة،
تعرف الصرخات التي علقت في الهواء،
الانتهاكات التي كسرت صمت الليل،
والقلوب التي قاومت رغم العزلة،
كأنها قلاع صغيرة من الضوء.
78
في الحصاحيصا،
كانت الحقول تنظر إلى السماء بخوف،
وفي رفاعة،
كانت الأزقة تحفظ خطى الهاربين،
وفي الكاملين،
كان النهر يراقب المشهد بصمت طويل،
والشاعر يسجل كل ذلك كنافلة من الألم.
79
المناقل أيضاً عرفت صوت الغبار،
عندما مرّت عربات الحرب،
والفلاحون الذين كانوا ينتظرون المطر
وجدوا أنفسهم ينتظرون النجاة،
لكن الأرض لم تتخلَّ عنهم،
ظلت تهمس: سيعود القطن يوماً،
وسيعود الضوء إلى الحقول.
80
في المسعودية والهلالية،
كانت الأشجار تصغي للريح،
وتحفظ أسماء الذين غادروا،
والبيوت التي بقيت واقفة
كانت مثل شهود على زمن لا يريد أن ينتهي،
لكن الشاعر يعرف
أن المدن التي تحب الحياة لا تموت.
81
طابت أيضاً كتبت سطرها في الحكاية،
المدينة التي اعتادت هدوء النهر،
وجدت نفسها أمام عاصفة،
لكن الناس هناك
كانوا مثل جذور الأشجار،
كلما هبّت الريح
تشبثوا بالأرض أكثر.
82
حتى الشريف يعقوب،
على تخوم القضارف،
حمل صدى تلك الأيام الثقيلة،
والطريق الطويل بين المدن
صار مثل خيط يربط الألم ببعضه،
لكن الخيط نفسه
كان خيط نجاة.
83
الشاعر يكتب:
إن ثقافة الوسط ليست مجرد جغرافيا،
إنها ميزان البلاد،
الذي يحاول أن يوازن بين الأطراف كلها،
بين البحر في الشرق
والصحارى في الغرب،
بين المركز والهامش.
84
ود مدني مدينة الفن والجمال،
هكذا كانت وهكذا تريد أن تعود،
المسرح، الشعر، الأغنية،
كلها كانت تمشي في شوارعها،
وكانت دار رابطة الجزيرة
مثل قلب ثقافي نابض،
يجمع الأصوات المختلفة.
85
محمد محي الدين كان يعرف ذلك،
كان يقول إن الشعر
ليس زينة للمدينة،
بل روحها،
وأن المدن التي تفقد شعراءها
تصبح مثل نهر بلا ماء.
86
الشاعر يجلس الآن أمام الباب القديم للرابطة،
يتخيل محمد محي الدين
وهو يدخل حاملاً أوراقه،
ويضحك بصوته العميق،
ثم يبدأ قراءة قصيدة
تشبه هذه المدينة.
87
ابتسم…
مرة ثالثة،
فالابتسامة هنا مقاومة،
كما أن القصيدة مقاومة،
وكما أن الذاكرة مقاومة،
وود مدني تعرف
كيف تبتسم رغم كل شيء.
88
النهر يواصل سيره،
وكأنه يقول للشاعر:
لا أحد يستطيع أن يوقف الماء،
ولا أحد يستطيع أن يوقف المدن
التي تعرف سرّ الحياة،
حتى لو مرت عليها
ألف حرب.
89
القطن الأبيض في الحواشات
يعود ببطء إلى الأرض،
والفلاحون يعودون إلى حقولهم،
والمدينة تتنفس مرة أخرى،
والشاعر يرى في ذلك
قصيدة طويلة
اسمها السودان.
90
ثقافة الوسط
ليست ضد ثقافة الساحل،
بل تكملها،
كما يكمل النهر البحر،
وكما تكمل الحقول المرافئ،
السودان كله
قصيدة متعددة الأصوات.
91
لكن القصيدة تحتاج إلى عدالة،
تحتاج إلى أن يسمع المركز
صوت الهامش،
وأن يفهم الهامش
أن النهر واحد،
حتى لو تعددت ضفافه.
92
ود مدني تعلم هذا الدرس،
لأنها مدينة العبور،
مدينة القوافل القديمة،
ومدينة مشروع الجزيرة،
الذي جمع الناس
من كل جهات السودان.
93
الشاعر يكتب في دفتره:
هنا يلتقي السودان بنفسه،
في هذه المدينة
التي تقف بين الخرطوم والجنوب،
بين الشرق والغرب،
مثل قلب
في منتصف الجسد.
94
رحيل محمد محي الدين
ترك فراغاً كبيراً،
لكن الشعراء الجدد
سيملأون هذا الفراغ،
لأن المدن
التي تحب الشعر
تلد شعراءها دائماً.
95
دار رابطة الجزيرة
ستفتح أبوابها مرة أخرى،
ستعود الأمسيات،
ستعود القصائد،
وسيعود النقاش
عن معنى الوطن
ومعنى الحرية.
96
والمدينة التي عرفت الخوف
ستتعلم من جديد
لغة الغناء،
ستتعلم أن الضحكة
هي أيضاً شكل من أشكال المقاومة.
97
ابتسم…
فهذا النهر لا يزال هنا،
وهذه الأشجار لا تزال هنا،
وهذا الضوء الذي يسقط على الماء
لا يزال يكتب
اسم ود مدني.
98
ابتسم…
فالشهداء الذين رحلوا
تركوا لنا الطريق،
والطريق الطويل
لا بد أن يصل
إلى مدينة عادلة.
99
ابتسم…
فالسودان
ليس حرباً فقط،
بل حقل قطن،
وقصيدة،
ونهر طويل.
100
ابتسم أنت في ود مدني،
مدينة الفن والجمال،
مدينة الوسط الذي يجمع البلاد،
مدينة النهر والقطن والشعراء،
مدينة تعرف كيف تنهض
بعد كل سقوط،
وتقول للعالم بهدوء:
نحن هنا… وما زلنا نكتب الحياة.
_____
سبتمبر 2019م
رابطة الجزيرة للآداب و الفنون – ود مدني


تعليقات
إرسال تعليق