ديوان : البداية التي لم تنتهي لأسطورة موت عائشة وبعثها

مصعب الرمادي
البداية التي لم تنتهي لإسطورة موت عائشة و بعثها
__________________
الكتاب : البداية التي لم تتنتهي لإسطورة موت عائشة و بعثها
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : فبراير2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
*إلى : عائشة أحمد
______________________________________
عائشةُ
لا تأتي،
تُفيض.
وحين تنظر
تخلع الأشياء أسماءها.
عينـاها
ليسَتا لونًا،
بل بابين
إلى ما قبل الضوء.
من دخلهما
نسي الطريق
وتذكّر المعنى.
رأيتها
قبل المدن،
وقبل أن تتعلّم الأرض
كيف تُسمّي نفسها.
قالت:
لا تبحث عني،
أنا الفاصل
بين الرؤية والعمى.
في العبور
كانت ظلًّا
يعرف أين يقف.
وفي الماء
كانت سرًّا
لا يبلّل اليد.
عينـاها
فتنةٌ صاعقة،
لا تُغري الجسد
بل تُصيب الروح
برجفة البدء.
من نظر
احترق،
ومن أغمض
صار رمادًا.
في الحجر
صارت ذاكرة،
وفي الدم
صارت نداء.
قالت:
الموت
خطأ التسمية،
والبعث
تصحيح النظر.
حين جلستُ
أمامها
لم أسأل،
لأن السؤال
حجاب.
كانت عيناها
محرابين
لا يُصلّى فيهما،
بل يُفنى.
قالت:
أنا التي
إذا أحبّت
محَت الأثر،
وإذا غابت
تركَت الأبد.
أنا الفتنة
حين تتطهّر،
والنور
حين يتكسّر
ليُرى.
مشيتُ خلفها
لا عاشقًا
ولا تابعًا،
بل شاهدًا
على تحوّل النفس.
كلما التفتت
سقط تاريخ،
وكلما ابتسمت
قام زمن.
قلتُ:
دلّيني.
قالت:
لا دليل
إلا العين
حين تُغمض
عن العالم
وتُفتح
عليّ.
عائشةُ
يا برقًا
يمرّ في القلب
ولا يترك احتراقًا
إلا المعرفة،
يا عينين
إذا نظرتا
انشقّ الليل
عن صلاة.
إن سألوكِ
من تكونين،
قولي:
أنا الفتنة
إذا صارت يقينًا،
والبداية
حين تُدرك
أنها
لن تنتهي.
***
عائشةُ
تخرج من اسمي
كما يخرج الحلمُ
من فم المنفيّ.
أبحث عنها
في المدن التي احترقت
وفي الكتب التي نامت
تحت وسادة السلطان.
أبحث عنها
فأجدها
تمشي فوق الخراب
كأن الخراب
طريقها القديم.
في حيِّ المقرن
حيث يلتقي النهران
ولا يتصافحان،
رأيتها.
كانت تقيم
في بيتٍ من ظلّ،
تفتح نافذتها
على زمنٍ آخر.
قالت لي:
هنا
تعبُ العاصمة
من أقنعتها،
وهنا
تخلع المدينةُ
حذاءها العسكري
وتبكي.
في المقرن
كانت عائشة
امرأةً عاصمية
تعرف
أن النهر
أذكى من السياسة،
وأن اللقاء
لا يعني السلام.
نادتني
فمشيتُ معها
إلى النيل الأزرق،
حيث الماء
يتذكّر اسمه
قبل أن يُقيَّد.
هناك
في مرايا التيار،
رأيتُ وجهها
ينقسم
ثم يلتئم.
قالت:
أنا ابنةُ هذا النهر
حين كان حرًّا،
وأخته
حين صار خبرًا
في نشرة المساء.
في جبال الأنقسنا
خلعت عائشة
ثوب المدينة،
وصارت أغنيةً
منسية
في فم الطبل.
الجبال
انحنت لها،
والأرض
فتحت رحمها.
قالت لي:
هنا
تختبئ البداية
من الرصاص،
وهنا
يولد المعنى
عاريًا
إلا من الصبر.
ثم مضينا
نحو دارفور،
حيث النار
تحفظ أسماءها.
كانت عائشة
تمشي أمامي
ولا تلتفت.
كل قرية
مررنا بها
كانت تنادينا
باسمها.
قالت:
لا تبكِ،
فالدم
لغةٌ لم تكتمل بعد،
والبعث
يحتاج وقتًا.
في دارفور
عرفتُ
أن عائشة
لا تُحِبّ
أن تُرثى،
بل أن تُحمَل
كرايةٍ صامتة.
قلتُ لها:
إلى أين نمضي؟
قالت:
إلى البداية
التي لم تنتهِ.
قلت:
وأين نهايتنا؟
ابتسمت،
وقالت:
الشعراء
لا ينتهون،
بل يتعبون
قليلًا.
عائشة
يا امرأةً
تسكن المدن
ولا تملكها،
وتعبر الأنهار
ولا تغرق،
يا قناع الروح
حين يضيق الجسد،
ويا وطن المنفى
حين يكبر الحنين،
علّمتِني
أن الحب
ليس خلاصًا،
بل مقاومة هادئة
ضد الفناء.
ها أنا
أكتبكِ
كما كتبني المنفى،
وأحملكِ
كما يحمل القلب
جرحه الأخير.
فإن سألوكِ
من تكونين،
قولي:
أنا عائشة،
اسمٌ يمشي،
ونهرٌ لا يُختصر،
وبدايةٌ
لن تنتهي.
***
عائشةُ
تخرج من اسمي
كما يخرج الحلمُ
من فم المنفيّ.
أبحث عنها
في المدن التي احترقت،
وفي الطرق التي علّمتني
كيف أكون ظلًّا
وأبقى.
في هَيَا
رأيتها أوّل مرة،
ظلًّا خفيفًا
يعلّم القوافل
أن الوصول
حيلةُ التعب.
قالت:
الوطن فكرةٌ مؤجَّلة،
والملحُ لا يبكي
حين يفارق البحر.
وفي بَرانيس
صارت موجًا،
تمنح وتبتلع،
أمًّا تعرف
أن الحبَّ
غرقٌ جميل.
قالت:
لا تنتظرني على الشاطئ،
تعالَ إليّ
مبتلًّا باليقين.
وفي مَرَوي
عرفتُ سرَّ الشمس
حين تنحني للعظام.
قالت:
الموتُ عادةٌ قديمة،
والبعثُ
صنعةُ النساء.
وفي حَلايب
انشطر جسدها حدًّا،
تنازعوه
ونسوا حمايته.
قالت:
أنا الأرض
حين تُختطف،
ولا تموت.
وفي جبلِ مَرّة
لم أعد أراها،
لأنها صارت الجبل،
ماءً وبركانًا
ورحمًا يصعد بنا.
قالت:
من دخلني
عاد مختلفًا.
وفي كَرْمَة
جلست قبل العرش،
رحمَ الدولة
قبل السيف.
قالت:
الحكمُ أنثى
إذا عرف الخصوبة.
وفي سِنّارَ المحروسة
تخفّت الحكمة،
لم تُكتب كي لا تُقتل.
قالت:
كونوا سرًّا
تستقيم الدولة.
وفي سُودَرِي
صارت بئرًا،
صمتُ الماء
حين ينقذ.
قالت:
من صبر
ارتوى.
وفي جبالِ التاكا – كسلا
خلعت المدينةُ غبارها،
وغنّت الطبول.
قالت:
هنا
يتذكّر الجسد
أغنيته الأولى.
وفي القضارف
حيث أسكنُ
وأكتبُ من طينٍ وسمسم،
جلست عائشة
على حافة الحقل.
قالت:
الشعرُ زراعة،
ومن خاطر
حصد.
ثم مضت بي
إلى حيّ المقرن،
حيث يلتقي النهران
ولا يتصافحان.
كانت تقيم
في بيتٍ من ظلّ،
تفتح نافذتها
على زمنٍ آخر.
قالت:
النهرُ أذكى من السياسة،
واللقاء
لا يعني السلام.
وعند النيل الأزرق
رأيتُ وجهها ينقسم
ثم يلتئم.
قالت:
أنا ابنةُ الماء
حين كان حرًّا،
وأخته
حين صار خبرًا.
وفي جبالِ الأنقسنا
خلعت ثوب المدينة،
وصارت أغنيةً
في فم الطبل.
قالت:
هنا
تختبئ البداية
من الرصاص.
ومضينا إلى دارفور،
حيث النار
تحفظ أسماءها.
كانت تمشي أمامي
ولا تلتفت.
قالت:
لا تبكِ،
فالدمُ لغةٌ
لم تكتمل بعد،
والبعثُ
يحتاج وقتًا.
قلتُ لها:
إلى أين نمضي؟
قالت:
إلى البداية
التي لم تنتهِ.
قلت:
وأين نهايتنا؟
ابتسمت،
وقالت:
الشعراء
لا ينتهون،
بل يتعبون
قليلًا.
عائشةُ
يا امرأةً
تسكن الأمكنة
ولا تملكها،
وتعبر الأنهار
ولا تغرق،
يا قناع الروح
حين يضيق الجسد،
ويا وطن المنفى
حين يكبر الحنين،
علّمتِني
أن الحبَّ
ليس خلاصًا،
بل مقاومةٌ هادئة
ضد الفناء.
فإن سألوكِ
من تكونين،
قولي:
أنا عائشة،
اسمٌ يمشي،
ونهرٌ لا يُختصر،
وبدايةٌ
لن تنتهي.
_______
أكتوبر 2019م
حي المقرن - الخرطوم

تعليقات
إرسال تعليق