ديوان : رأيتُ أم درمان
رأيتُ أمدرمان
مصعب الرمادي
رأيتُ أمدرمان
__________________الكتاب : رأيت أمدرمان
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أكتوبر 2019م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
____________________________
" اللهُمَّ إنّا نَرغَبُ إلَيكَ في دَولَةٍ كَريمَةٍ تُعِزُّ بِها الإسلامَ وَأهلَهُ وَتُذِلُّ بِها النِّفاقَ وَأهلَهُ، وَتَجعَلُنا فيها مِنَ الدُّعاةِ إلى طاعَتِكَ وَالقادَةِ إلى سَبيلِكَ وَتَرزُقُنا بِها كَرامَةَ الدُّنيا وَالآخِرَةِ " .
الأمام محمد المهدي في نهاية الزمان
_____________
الأمام محمد المهدي في نهاية الزمان
_____________
ذاكرة المهدوية
I
أيتها المدينة التي اغتسلت بالأساطير حتى صارت ثوباً مهترئاً يلتصق بالجلد كقيد، أي خديعة نُسجت باسمك حتى توهم الناس أن التاريخ قد تطهر؟ كل من كتبك ادعى الطهارة، وكل من رآك أراد أن يخلع نعليه، لكنه ترك حذاءه الموحل على صدرك فخنق أنفاسك وترك ندبة على جبينك. المهدوية هنا ليست ثورة ولا خلاصاً، بل مسرحية مثقوبة الستار يبيع فيها الطغاة دموع الجنود الجائعين على موائد متخمة بالذهب، ينهشون من اللحم الوطني حتى صار خبزاً يابساً بين أيدي الأمهات، والمجد صار صورة معلقة في قاعات بلا نوافذ.
II
عائشة الجميلة التي صُورت أيقونة على جدار أمدرمان ليست سوى مرآة لرغبات شاعر مهجري فاشل يختبئ خلف قناع الفيلسوف ليمرر شهواته المتأمركة في لغة يظنها حداثة، لكنها في حقيقتها حبر ملوث بالعرق والدمع، أي فكر هذا الذي يستعمل الجسد كراية للنهضة المزعومة ويضع الشهوة في موقع الفلسفة؟ أي قصيدة تلك التي ترفع أنوثة فردية إلى مقام وطن غارق في الدم، ثم تعود لتبيعها في مقاهي نيويورك كأنها بيان ثوري مؤجل؟!.
III
في شرق السودان عام 1994 حين أعلنوا ثورة التعليم العلمي في الطب، تحول الحلم إلى مزبلة بيروقراطية يكتبها موظفون بلا بصيرة، خرج منها أطباء جياع يركضون وراء المنح ويتركون المرضى فريسة للوباء، لم يكن التعليم هنا شفاء بل كان سلعة منتهية الصلاحية، لم يكن الجرح هو الذي يستحق الدراسة بل الجسد المأجور في غرف مغلقة، واللذة صارت أفقاً أعلى من الاستشفاء، حتى صار الطبيب حاملاً لشهوة لا لحقيقة.
IV
أيتها القضارف يا سويسرا الشرق كما زعموا، أي عار يليق بك أكثر من أن تكوني مختبراً للفشل؟ كلياتك ليست معابد للعلم بل أضرحة للفساد، ومناهجك ليست أفقاً بل أصفاد مقولبة، وحلمك الذي وُعدت به صار وحلاً في شوارع مطرها لا يتوقف، لا سويسرا هنا إلا في الوهم، لا نظام إلا في اللغة الرسمية، أما الحقيقة فهي فوضى وتكرار وسراب يذوب بين أيدي الطلاب الذين لا يملكون سوى الانتظار.
V
الشاعر الكلداني الذي باع قضاياه القومية في مقهى ديفوسيون بمدينة نيويورك يرفع شعارات عن فلسطين وهو يشرب نبيذ العولمة في كؤوس زجاجية مشروخة، يتغزل في خصر عائشة أكثر من غزة، ويكتب بيانات عن وحدة وادي النيل في حين يجهل حتى عتمة مجرى القاش، أي قومية هذه التي تبدأ من جسد وتنتهي في سرير؟ أي ثورة هذه التي تُدار من صالونات بروكلين وتباع في تذاكر لمظاهرات مؤقتة؟!.
VI
الأنوثة الطاغية التي رفعوها إلى مقام المشروع لم تكن سوى فخ يلتقط الضعفاء، يلبسونه تاجاً من لهب ثم يحترقون في ناره، عائشة ليست البرمكية ولا صورة للبوهمية، بل نسخة رقمية مشوهة أنتجتها مطابع نيويورك للعرض في المتاحف، تقول إنها مختلفة لكنها ليست سوى إعلان تجاري جديد بملصق قديم، اختلافها لم يكن سوى زخرف لفظي يخفي تشابهها مع كل ما تم استهلاكه من قبل.
VII
المهدي الميت لو بعث من قبره لبصق على هذه النصوص وقال أنتم حولتم الثورة إلى غراميات والشهادة إلى قبلة مسروقة والأفق إلى شاشة سينمائية، لو خرج إلى أمدرمان الآن لوجد نصوصكم صوراً ملونة على جدران قاعات المسرح البلدي، يضحك منها الأطفال بينما الجوع يحاصر البيوت، أي ذاكرة هذه التي تدّعونها وأنتم لم تحفظوا سوى الجسد؟
VIII
أيها الشعراء أيها العشاق الفلاسفة أنتم لستم بناة قصائد بل حفارو قبور، كل بيت تكتبونه يضيف حجراً جديداً على صدر الخرطوم، أنتم رومانسيون متأخرون تقتاتون على بقايا جثث الوطن، تدورون في حلقات مفرغة تكررون أسماءكم كما لو كانت تعاويذ، وما أنتم إلا تجار مواقف تبحثون عن منابر جديدة للبيع، تخونون كل ما تدّعون أنه مقدس ثم تكتبونه قصيدة طويلة بلا حياء.
IX
في نيويورك خرجت مظاهرات لفلسطين لكن عائشة كانت مشغولة بمكياجها، والشاعر منشغلاً بخطاباته المصورة، يبيع الموقف بالبيان ويشتري الشهرة بأشلاء غزة، يمشي في الشارع حاملاً لافتة ويمشي في الليل حاملاً كأساً، يصرخ بالحرية وهو في قلب العبودية، أي حب لفلسطين هذا الذي يُصاغ على مقاس جسد امرأة؟!.
X
الحداثة عندكم ليست سوى زينة على جسد ميت، تكتبون عن التنوير وأنتم غارقون في ظلام الشهوة، ترفعون راية وحدة وادي النيل وأنتم تجهلون ضفافه، تبشرون بعصر العقل وأنتم أسرى الغريزة، كل كلمة في نصوصكم كذبة أنيقة، كل بيتٍ خدعة محكمة، لا حداثة هنا إلا كغلاف كتاب بلا محتوى.
XI
المقدس عندكم صار دنيوياً مبتذلاً، الوادي المقدس طوى تحوّل إلى غرفة فندق رخيصة، الآيات اختُزلت في عبارات دعائية، والعشق الإلهي تلطخ بشبق عابر، لم تعد الأرض الطاهرة إلا خلفية لصورة رومانسية تُرفع على وسائل التواصل، لم يعد الوحي إلا همساً في أذن امرأة جميلة، ولم تعد القيم إلا سطوراً منسوجة بحيلة البلاغة.
XII
عائشة البرمكية التي ترفض أن تكون بوهمية أو شيوعية ليست إلا أيقونة استهلاكية جديدة، تقول أنا مختلفة لكن اختلافها لم يكن سوى شعار فارغ، اختلافها لم يغير شيئاً من بؤسها الداخلي، ظلت تدور بين حب شاعرٍ عاجز وأسطورة وطنٍ ممزق، ظلت تُباع في الخطاب وتُشترى في القصيدة، لم تكن إلا قناعاً لزيف آخر.
XIII
يا عائشة يا ابنة أمدرمان التي هربت إلى القضارف ثم إلى نيويورك هل كنت تعرفين أن الشعراء الذين غازلوك لم يروا فيك سوى جسد أحمر كالكرز المتعفن؟ !. هل صدقت أن حبهم فلسفة وأن انبهارهم حداثة؟ لقد كان حبهم منشاراً ينهشك ببطء، وكان كلامهم حبلاً يلفونه حول عنقك وهم يبتسمون، لم تكن قصائدهم لك بل كانت ضدك.
XIV
القضارف التي حلمت أن تكون سويسرا صارت شظية في خاصرة السودان، أطباؤها مهاجرون وطلابها بلا كتب، نساؤها يبعن الحلم في أسواق مهجورة، رجالها يقفون على أبواب المكاتب في انتظار وعود لا تأتي، الشعراء فيها يكتبون نصوصاً عن جسد لا عن وطن، والمدينة تتآكل مثل خبز قديم على طاولة منسية
XV
وهكذا تنكشف اللعبة، المهدوية أسطورة للبيع، عائشة أسطورة للاستعمال، الشعراء تجار يكتبون بنبيذ فاسد، وأمدرمان ذاكرة ممزقة بين الحلم والخيانة، لا شيء مقدس هنا إلا الشهوة، ولا شيء خالد إلا الفشل، وأي مستقبل يُبنى على هذا الركام سوى مستقبلٍ أكثر ظلاماً من كل ما مضى؟
__________
أكتوبر 2019م
مركز أمدرمان الثقافي
I
أيتها المدينة التي اغتسلت بالأساطير حتى صارت ثوباً مهترئاً يلتصق بالجلد كقيد، أي خديعة نُسجت باسمك حتى توهم الناس أن التاريخ قد تطهر؟ كل من كتبك ادعى الطهارة، وكل من رآك أراد أن يخلع نعليه، لكنه ترك حذاءه الموحل على صدرك فخنق أنفاسك وترك ندبة على جبينك. المهدوية هنا ليست ثورة ولا خلاصاً، بل مسرحية مثقوبة الستار يبيع فيها الطغاة دموع الجنود الجائعين على موائد متخمة بالذهب، ينهشون من اللحم الوطني حتى صار خبزاً يابساً بين أيدي الأمهات، والمجد صار صورة معلقة في قاعات بلا نوافذ.
II
عائشة الجميلة التي صُورت أيقونة على جدار أمدرمان ليست سوى مرآة لرغبات شاعر مهجري فاشل يختبئ خلف قناع الفيلسوف ليمرر شهواته المتأمركة في لغة يظنها حداثة، لكنها في حقيقتها حبر ملوث بالعرق والدمع، أي فكر هذا الذي يستعمل الجسد كراية للنهضة المزعومة ويضع الشهوة في موقع الفلسفة؟ أي قصيدة تلك التي ترفع أنوثة فردية إلى مقام وطن غارق في الدم، ثم تعود لتبيعها في مقاهي نيويورك كأنها بيان ثوري مؤجل؟!.
III
في شرق السودان عام 1994 حين أعلنوا ثورة التعليم العلمي في الطب، تحول الحلم إلى مزبلة بيروقراطية يكتبها موظفون بلا بصيرة، خرج منها أطباء جياع يركضون وراء المنح ويتركون المرضى فريسة للوباء، لم يكن التعليم هنا شفاء بل كان سلعة منتهية الصلاحية، لم يكن الجرح هو الذي يستحق الدراسة بل الجسد المأجور في غرف مغلقة، واللذة صارت أفقاً أعلى من الاستشفاء، حتى صار الطبيب حاملاً لشهوة لا لحقيقة.
IV
أيتها القضارف يا سويسرا الشرق كما زعموا، أي عار يليق بك أكثر من أن تكوني مختبراً للفشل؟ كلياتك ليست معابد للعلم بل أضرحة للفساد، ومناهجك ليست أفقاً بل أصفاد مقولبة، وحلمك الذي وُعدت به صار وحلاً في شوارع مطرها لا يتوقف، لا سويسرا هنا إلا في الوهم، لا نظام إلا في اللغة الرسمية، أما الحقيقة فهي فوضى وتكرار وسراب يذوب بين أيدي الطلاب الذين لا يملكون سوى الانتظار.
V
الشاعر الكلداني الذي باع قضاياه القومية في مقهى ديفوسيون بمدينة نيويورك يرفع شعارات عن فلسطين وهو يشرب نبيذ العولمة في كؤوس زجاجية مشروخة، يتغزل في خصر عائشة أكثر من غزة، ويكتب بيانات عن وحدة وادي النيل في حين يجهل حتى عتمة مجرى القاش، أي قومية هذه التي تبدأ من جسد وتنتهي في سرير؟ أي ثورة هذه التي تُدار من صالونات بروكلين وتباع في تذاكر لمظاهرات مؤقتة؟!.
VI
الأنوثة الطاغية التي رفعوها إلى مقام المشروع لم تكن سوى فخ يلتقط الضعفاء، يلبسونه تاجاً من لهب ثم يحترقون في ناره، عائشة ليست البرمكية ولا صورة للبوهمية، بل نسخة رقمية مشوهة أنتجتها مطابع نيويورك للعرض في المتاحف، تقول إنها مختلفة لكنها ليست سوى إعلان تجاري جديد بملصق قديم، اختلافها لم يكن سوى زخرف لفظي يخفي تشابهها مع كل ما تم استهلاكه من قبل.
VII
المهدي الميت لو بعث من قبره لبصق على هذه النصوص وقال أنتم حولتم الثورة إلى غراميات والشهادة إلى قبلة مسروقة والأفق إلى شاشة سينمائية، لو خرج إلى أمدرمان الآن لوجد نصوصكم صوراً ملونة على جدران قاعات المسرح البلدي، يضحك منها الأطفال بينما الجوع يحاصر البيوت، أي ذاكرة هذه التي تدّعونها وأنتم لم تحفظوا سوى الجسد؟
VIII
أيها الشعراء أيها العشاق الفلاسفة أنتم لستم بناة قصائد بل حفارو قبور، كل بيت تكتبونه يضيف حجراً جديداً على صدر الخرطوم، أنتم رومانسيون متأخرون تقتاتون على بقايا جثث الوطن، تدورون في حلقات مفرغة تكررون أسماءكم كما لو كانت تعاويذ، وما أنتم إلا تجار مواقف تبحثون عن منابر جديدة للبيع، تخونون كل ما تدّعون أنه مقدس ثم تكتبونه قصيدة طويلة بلا حياء.
IX
في نيويورك خرجت مظاهرات لفلسطين لكن عائشة كانت مشغولة بمكياجها، والشاعر منشغلاً بخطاباته المصورة، يبيع الموقف بالبيان ويشتري الشهرة بأشلاء غزة، يمشي في الشارع حاملاً لافتة ويمشي في الليل حاملاً كأساً، يصرخ بالحرية وهو في قلب العبودية، أي حب لفلسطين هذا الذي يُصاغ على مقاس جسد امرأة؟!.
X
الحداثة عندكم ليست سوى زينة على جسد ميت، تكتبون عن التنوير وأنتم غارقون في ظلام الشهوة، ترفعون راية وحدة وادي النيل وأنتم تجهلون ضفافه، تبشرون بعصر العقل وأنتم أسرى الغريزة، كل كلمة في نصوصكم كذبة أنيقة، كل بيتٍ خدعة محكمة، لا حداثة هنا إلا كغلاف كتاب بلا محتوى.
XI
المقدس عندكم صار دنيوياً مبتذلاً، الوادي المقدس طوى تحوّل إلى غرفة فندق رخيصة، الآيات اختُزلت في عبارات دعائية، والعشق الإلهي تلطخ بشبق عابر، لم تعد الأرض الطاهرة إلا خلفية لصورة رومانسية تُرفع على وسائل التواصل، لم يعد الوحي إلا همساً في أذن امرأة جميلة، ولم تعد القيم إلا سطوراً منسوجة بحيلة البلاغة.
XII
عائشة البرمكية التي ترفض أن تكون بوهمية أو شيوعية ليست إلا أيقونة استهلاكية جديدة، تقول أنا مختلفة لكن اختلافها لم يكن سوى شعار فارغ، اختلافها لم يغير شيئاً من بؤسها الداخلي، ظلت تدور بين حب شاعرٍ عاجز وأسطورة وطنٍ ممزق، ظلت تُباع في الخطاب وتُشترى في القصيدة، لم تكن إلا قناعاً لزيف آخر.
XIII
يا عائشة يا ابنة أمدرمان التي هربت إلى القضارف ثم إلى نيويورك هل كنت تعرفين أن الشعراء الذين غازلوك لم يروا فيك سوى جسد أحمر كالكرز المتعفن؟ !. هل صدقت أن حبهم فلسفة وأن انبهارهم حداثة؟ لقد كان حبهم منشاراً ينهشك ببطء، وكان كلامهم حبلاً يلفونه حول عنقك وهم يبتسمون، لم تكن قصائدهم لك بل كانت ضدك.
XIV
القضارف التي حلمت أن تكون سويسرا صارت شظية في خاصرة السودان، أطباؤها مهاجرون وطلابها بلا كتب، نساؤها يبعن الحلم في أسواق مهجورة، رجالها يقفون على أبواب المكاتب في انتظار وعود لا تأتي، الشعراء فيها يكتبون نصوصاً عن جسد لا عن وطن، والمدينة تتآكل مثل خبز قديم على طاولة منسية
XV
وهكذا تنكشف اللعبة، المهدوية أسطورة للبيع، عائشة أسطورة للاستعمال، الشعراء تجار يكتبون بنبيذ فاسد، وأمدرمان ذاكرة ممزقة بين الحلم والخيانة، لا شيء مقدس هنا إلا الشهوة، ولا شيء خالد إلا الفشل، وأي مستقبل يُبنى على هذا الركام سوى مستقبلٍ أكثر ظلاماً من كل ما مضى؟
__________
أكتوبر 2019م
مركز أمدرمان الثقافي


تعليقات
إرسال تعليق