ديوان : أفراح الشمالية

مصعب الرمادي
أفراح الشِمالية
_____
الكتاب : أفراح ُالشِمالية
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أكتوبر 2019م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____
*إلى الفنانة المتألقة / أفراح عصام
___________
قمرية
في الليل الطويل حيث النيل يجر نوره بين صخور البركل، ترتجف قوارب الصيادين مثل أجنحة الفراشات العتيقة، ويرتدي القمر تاجه من فضة الذكريات. هناك، على ضفاف الرمل البارد، تضحك النساء بأفواههن الممتلئة بحليب السعادة والحنين، فيما الشيوخ يكتبون أساطيرهم على جدران الحجر العتيق، كل حرف منها ينحني تحت وطأة التاريخ، ويحمل عبء المطر والحروب القديمة. الطيور تحكي قصص العابرين، والأطفال يرقصون على إيقاع الطبول الغائبة، بينما صوت النيل يهمس بأسرار لم تعد الأرض قادرة على حملها.
شعيرية بالحليب
في صباحات المتمة الباردة، تمتد الأيادي لتصنع الشعيرية، وكأنها خيوط الزمن التي تشبك بين الأجيال. الحليب يغلي على نار الحكاية، والدخان ينساب مثل ألسنة الشعر غير المكتمل. الطفلة الصغيرة تصرخ باسم جدتها، والجد يهمس بأسرار الغروب، بينما الريح تحمل رسائل القرى البعيدة، فتلتقي الضحكات بالدموع، والأرض ترقص على وقع خطوات الحرف الذي لم يولد بعد. كل طبق شعيرية هو قصة، وكل رشفة حليب تحمل سرًّا من أسرار الشمال.
مهرجان جبل البركل
يُرفع العلم على صخور الجبل، والطبول تهتز كما لو أن قلب الأرض ينبض بألف فجر جديد. المهرجان ليس مجرد فرح، بل تاريخ متجسد في كل خطوة وكل صرخة، حيث الأطفال يجمعون الحصى كأنهم يجمعون أيام الطفولة المبعثرة، والنساء يسكبن الماء في أواني برونزية لتغسل وجوه السماء. رائحة الحرية تتخلل الرمال، وأصوات الطيور تختلط بأصوات المزارعين، والجدات يثرن بأسماء الملوك الذين لم يولدوا بعد. كل لحظة هناك تُعيد كتابة الزمن على الجدار المنسي.
وحدة الشمال الجديد
بين النيل والكثبان، يولد الشمال الجديد كل يوم من صمت الحجارة ونحيب المزارع، فيقصّ الأطفال الحكايات على أوراق الشجر، وتكتب الريح على وجوههم أحرف الانتصار والخسارة معًا. في الأسواق القديمة، تُباع البهجة والدموع بنفس الثمن، ويجلس الشعراء على أرصفة الحكاية ليتفاوضوا مع الغيوم على ألوان المستقبل. كل حجر يحمل دماء الأجداد، وكل نغمة تمر على الشريان الرئيسي للأرض، لتحفر في الذاكرة جسرًا بين الأمس واليوم.
حجر الدغش
في أعماق الصحراء، هناك حجر يضحك بلا صوت، يحمل أسرار الأنهار القديمة والليل المفقود. الأطفال يلتفّون حوله كأنهم يلتقطون سحرًا ضائعًا، والنساء يضعن فيه خيوط الحكايات ليصبح حجرًا ذا ذاكرة، يحفظ الفرح والحزن معًا. كل نكتة تتساقط من شفاه الريح على سطحه، وكل دمعة تتحول إلى وميض صغير يلمع بين الرمال، بينما الطيور تهبط لتقرأ أسماء الملوك المنسيين على سطحه.
شريان الشمال
ينبض الشريان تحت الأرض كما ينبض قلب الإنسان حين يلتقي النهر بالصحراء، يحمل الماء كما يحمل الأسرار، يروي الأشجار ويغسل التاريخ. على ضفافه يرقص المزارعون بأقدامهم المتعبة، والنساء يخلطن التراب بالماء لتصنع مستقبل الأرض. كل موجة تمشي على جسد النيل تحمل رسالة حب من الشمال القديم إلى الجديد، وكل حجر يلمع كعين طفل يشهد ولادة الكون من جديد.
ملك الطنبور
الطمبور يصرخ بين الأصابع كما يصرخ التاريخ حين يرفض النسيان، " محمد النصري" يضرب الأوتار ليحرك رياح الماضي، فتتطاير الصور في الهواء كأوراق الخريف. الملك يبتسم بلا وجه، والأرض تصمت لتسمع الموسيقى التي تصنعها الأصابع. كل نغمة هي قصيدة لم تكتب بعد، وكل صدى في الجبال يذكّر بأسماء الأبطال الذين رحلوا قبل أن يولدوا، بينما الأطفال يرقصون على أنغام الحكايات القديمة.
القنديلة
تُضاء القنديلة في ليل المتمة كما تُضاء الأفكار في عقول الشعراء، يلتفّ الضوء حول الحكايات القديمة، ويكشف عن وجوه لم يولدوا بعد. النسيم يرقص مع الدخان، والنساء يجلسن ليحكين قصص الأنهار والرياح، والأطفال يكتبون أسماء النجوم على الرمال. كل ومضة من الضوء هي حلم، وكل ظل هو سرّ الشمال، وكل خفقة قلب تحكي عن زمن لم نعرفه بعد.
كرباس
على أطراف السوق القديم، يُفرش الكدباس كما تُفرش الحكايات على أكتاف الزمن، يحمل الطحين كما يحمل الرغبة في البقاء، وكل خطوة عليه تصنع موسيقى الأرض. النساء يرقصن حوله بأقدامهن الصغيرة، والأطفال يكتبون على الطين أسماء الأنهار، والجدات يثرن بأسرار الليل، بينما الطيور تحلق لتسمع كل كلمة، وتعيدها على شكل أغنية للنيل والشمس معًا.
غادة القورير
غادة تمشي على الرمال الرطبة، تحمل في عينيها صور الشمال القديم، والليل يغني لها بأصوات الطيور المنسية. كل خطوة تصنع أثرًا جديدًا في تاريخ النهر، وكل ضحكة تحفر نفقًا للنسيم ليجلب رسائل الغد. النساء يزرعن حولها الزهور، والأطفال ينسجون خيوط الشمس في شعورهم، وكل حجر على الطريق يهمس باسمها، كأنها ملكة لم تولد بعد لكنها تحكم القلوب.
قهوة في المتمة
في المقهى القديم، يغلي الماء كما يغلي التاريخ، وتختلط الروائح بالضحكات والدموع. النسوة يتبادلن الحكايات والأطفال يرقصون على الطاولات، والطاولة تتحول إلى مسرح يصنع الحكايات، وكل رشفة قهوة تحمل سرًّا من أسرار الشمال. على الحائط القديم، تُكتب أسماء الأحبة الذين رحلوا، بينما الطيور تلتقط أصواتهم وتعيدها على شكل أغنية للمغيب.
العطبراوية
هناك في الزوايا الضيقة، تتجمع العطبراوية كأنها أساطير صغيرة، تحمل الرياح معها سرّ الأرض، وتحت ضوء القمر تتكشف وجوه المزارعين والنساء. الأطفال يرقصون على حافة النهر، والنساء ينسجن الحكايات كما ينسجن الملابس، والجدات يثرن بأسماء الأجداد، وكل حجر على الطريق يلمع بأثر دمعة أو ضحكة، وكل شجرة تروي تاريخ الشمال.
دلوكة
الأقرعُ
ويحهه…
هو كما هو، هو…
لا تسميه عنتًا أو مخافة،
فالمعنى يكفيه،
وحشيته وعنجهيته سادرة،
ولا يحتاج أكثر من ذلك.
ثورُ بقر الجواميس، ووو…
هل تراها؟
فوق القطيع، تخالها ترى صقره الجارح،
أو في المعمعمة، حناء كفها؟
جرعة الزائد عن حاجتها، حِّده؟
عرضة الدنيا وآخرة ما لم ينتظر،
أو بالذي بفضله لا يأتي،
فاتكًا برزايا خيرها وشره،
وهو… هو،
على كل حال ومآل،
بها وعليها، ما يزال.
الرمال تتذكر خطواته، والريح تهمس باسمائه،
الليل يفتش عن ظله بين أعمدة الشمس،
والأطفال يكتبون على التراب ما لم يُكتب بعد.
كل ضحكة أو دمعة هي نقش جديد على جدار الزمن،
والنهر يردد صدى صوته بين ضفاف القرى،
كأن الأرض نفسها تتعثر في وعيه،
تحتضن عتوته ورقة قلبه، في توازن عجيب بين القوة واللين.
في ذكرى حميد
الدُفلي الوسنان
على أطراف الجرف المهجور،
التربال المجد عند تنهيدة فجر الخرِيدة،
كأن بهما ما على الشاعر من منازلة البلاد،
في هجرتها الضارية به وإليها،
كأن بهم ما على البلاد من دبق الموغل بالمرج،
قبل حذلقة المتزلف بقداس ترنيمة المختلف.
وليكن للشعر كما كان لحميد،
ليكن بالنيل ما لقربانه الوثني،
من تعويذة الإلهة لمحفل هتك بكارة الأنثى…
الكهف يرّغبة حنينها يُواربه،
كما للجعران ونقش الحناء التي بالكف،
له الكهف والجعران وتواثق شبق الحجرات،
كمن لحضرته أثرها على نزيف الحجر،
والأرض تصمت لتسجل كل وهج وصرخة.
على المتعب
تفَّرس وجوه النقص،
على مثالب الثاوي عروش المتكرس،
ضدها، الخبيئة لمن يُسلب بقشرة الحضارة،
أو له الكولونايلي وما يسمق من الحداثة بالمدينة الفاجرة.
ملامح المحو، لتفريج المطبق،
كالأجنحة المرنقة على جبل النوري،
مثلها ومن عن لجته تقدير المتلف،
مثله ومن يمعن في المناظرة بالمثيل،
لمثالهما من غلواء الضد…
هل بهما ليبرر الكأس مسوغه لفتنة الشاعر بالعشق؟
يتنكبهما خدره في دبيب الطريقة من ذاكرة الجاهلي؟
أم مثلما عن المدينة مندوحة المتجَوهر،
والنبع من بهجة طريقه من تكلس الأجرد؟
الفن للفن، كالفن للحياة،
تكتب الشمالية بحميد ذاته،
يكتب حميد والشمالية ذاتهما،
لهزيمة الموت بالفن…
من حقي على الأغنية، على الوطن والمحبوبة،
ما لحقها عليهن،
ما عن أهل المغنى شعبية المغني،
كمن على وجدانها عدالة المطلب،
كمن لوجه الحق مظلمة الجابرية…
حينما لا وقت في الوقت،
خلا حائل الزائل من رتابة ساعة الكوني،
حينما لا طين في الطين،
خلا فتنة الآخر بشبق النار،
من نور إلوهية الأخير…
نوري في لثغة العامي،
في الرائج من صك عملة الزائف،
عندهما ما عن السلعة تدبر حيلة المزوق،
بالضيم ما عن نصرة الأغنية بيان أفق الطليعي…
وليس عنه ما لبحر،
لا يرسى بهما على بر،
كمن ليس لمن عن جوهر ما لا يكتنفه،
وهاجس المقلق من تجربة الأسلوب،
كالوجودية في توتر ذروة المتناص،
أو كالكمون في إشراك غواية المدلهم…
الخاطر بها من دونه،
دونها دينه وما ينصرف عنهن لحال سبيل المتبرمة،
كما الأحبة بهم في كل مكان،
كما هو والذي يجدني بها في كل بيوت الفقراء…
لو أسعفتني الذاكرة،
لو على العشب البليل توقيع خطوة الناغم،
لكنته لمن يروم سواهن بدلاً عن نوري،
أو لكنته في الملم سواها وما يتقي بالشبهة،
من تصاريف دهر الحاذق…
لا تهادن العارض،
الحكومة ربما عن قصد،
في المحنة به والنص قد تفكر،
إذ من همسها الشجي شكوى العابر،
إذ بالنسيج الدقيق انشغال المرآة بها،
كما عن الوجوه من أثرها وتجسم المتبلور،
كما عن الأهالي حكومة الظل في الظل…
منتج لوطني خالص،
دميرة تطفح من كرم النيل،
بما عن الكادحين لهفة المشرق،
بما عن الليل انتظار فجرها الكاذب…
الم ترى كيف يكون؟
المبكي في افترار شهقة المضحك،
كأن من ثقب الإبرة يخرج أصحاب الفيل،
كان عن كيدهم من عصفها المأكول يمهل المهمل…
البرجوازية الصغيرة لا تكاد بالشاعر فيه،
تثير بالنظارة حنق البروتاريا الرثة،
الطوار برأس المال في الخشبة،
ما يزال يتخم القيلولة بالسابلة،
كالذي به ديالكتيك سقوط الأيديولوجي،
كالذي بها الحياة من تفسير بشاعة العالم…
القشة في كومة التبن،
الشاعر في هُدنة الجامح،
وكذلك وما يتنكبه الوطن في عنت التمَّدن،
بما لا تتصنع الأرياف مكياجًا لقريحتها،
لغيرهن بما لا ينفع الناس من زبد الموجة…
كيف ومتى كان ذلك؟
هنا والآن، والشاعر في حوزتي،
به والحضرة يبهت من كفر،
البصمة من الجدول لا تكاد تدل علينا،
مثلما عن مطلق مثال ما يُطلب،
مثلما عن نسيان تبّرج البستان،
بمرائي نواح المتصور…
أفراح الشمالية
الأفراح تنتشر بين القرى كما تنتشر النسمات على الماء، تحمل الأصوات القديمة والضحكات الجديدة، يختلط الحزن بالفرح، والليل بالنهار. النساء يرقصن حول النار، والأطفال يكتبون على الرمال أسماء الأحبة، والجدات يثرن بالحكايات كما يثرن الأشجار بالأوراق، والنيل يهمس بأسماء الأبطال، والهواء يعبّر عن سرّ الشمال، كل شيء هناك يرتجف بأثر الفرح القديم والجديد، كما لو أن الزمن نفسه يرقص بين الضفاف.


تعليقات
إرسال تعليق