ديوان : كرموز الإسكندرانية

كرموز الإسكندرانية

مصعب الرمادي

كرموز الأسكندرانية

أناشيد البحرين و ذاكرة الرمل 

__________________________

الكتاب : كرموز الاسكندرانية 

الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع :  سبتمبر  2025م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_______________________

*إلى صديقتي المخرجة المصرية / أمل رمسيس

_______________________________ 
 ذاكرة المتوسط
I
في كرموز، حيث تذوبُ الحيتانُ في شهوةِ الموج،
تقومُ امرأةٌ من رملٍ زعفرانيٍّ تغسلُ قدميها بملحِ رشيد،
وتضحكُ حين يمرُّ الإسكندرُ فوقَ الكورنيش كأنَّه عائدٌ من معركةٍ لا تشبهُ أمبابة.
في عينيهِ بقايا مدائنٍ وفي فمهِ مذاقُ امرأةٍ من زبد.

II
الرطوبةُ كتابُ البحر،
يقرأهُ العشّاقُ في ليلِ سيدي جابر،
حيثُ تُسدلُ النوارسُ أجنحتها على أجسادٍ تبحثُ عن حرارتها الأولى.
كلُّ موجةٍ تنهضُ ثم تسقطُ كجملةٍ ناقصةٍ من شعر بيرم التونسي.

III
في برّ العجمي تتقاطعُ اللغاتُ
كأجسادٍ في مرآةٍ يونانية،
إغريقيةُ العيون، نوبيةُ الأرداف،
تشمُّها النسائمُ القادمةُ من دمياط
كأنّها تذوقُ طحلبَ القرونِ القديمة.

IV
تحتَ تمثالِ سعد زغلول،
ينامُ بائعُ سمكٍ من أصولٍ شامية،
يحلمُ بأنّهُ يطعمُ نابوليون سردينَ الإسكندرية،
فتضحكُ الأرصفةُ من عبثِ التاريخ،
ويُقْبِلُ الصباحُ بلونِ الياقوتِ الرطب.

V
في مكتبةِ الإسكندرية،
تتنفّسُ الأوراقُ رائحةَ الموج،
وتغفو الكتبُ على أذرعِ العشّاق.
كلُّ مجلدٍ امرأةٌ،
وكلُّ فصلٍ سريرٌ من الضوء،
والقراءةُ فعلُ غوايةٍ بحرية.

VI
عندَ "سيدي بشر"،
يمتدُّ الشاطئُ كجسدِ امرأةٍ تتذكّرُ،
وفي المساءِ
يتحوّلُ الرملُ إلى سُرّةٍ من كهرمان.
الأطفالُ يغنّون أغانيَ السماكة،
والنساءُ يضفرنَ الموجَ في شعورهنّ.

VII
الإسكندرُ يقفُ في مرآةِ المتوسط،
يرى وجهَهُ في الموجِ،
وفي كلِّ قطرةٍ صورةَ عشيقةٍ عبرتْ إلى أوروبا.
يضحكُ من أسطورته،
ويعرفُ أنّ المدنَ تموتُ
حين تفقدُ ملحَها الأول.

VIII
المنشيةُ تتناثرُ كقطعِ مرايا،
وفي كلِّ زاويةٍ رائحةُ قهوةٍ يونانيةٍ
تغوي البحّارةَ والجنودَ والكتبة.
تتدلّى القصائدُ من شرفاتٍ قديمةٍ
كقمصانٍ غُسلتْ في ماءِ الندم.

IX
في غاليري الصاوي،
تتجسّدُ لوحةُ امرأةٍ تخرجُ من بحرٍ فيروزٍ،
تضحكُ للفنانِ ثم تغيبُ في الموج.
الفنُّ هنا يشبهُ البحر:
يغسلُ ما تبقّى من خطيئةٍ،
ويتركُ الجسدَ بلا ذاكرة.

X
في رشيد، النيلُ يُقبلُ البحرَ على استحياء،
ثم ينحسرُ كعاشقٍ خجولٍ بعد ليلٍ طويل.
الماءُ هنا لا يختلطُ،
لكنّ الرغبةَ تظلُّ تتجوّلُ بينهما،
كطائرٍ من نورٍ لا يعرفُ الحدود.

XI
دمياطُ تُهدهدُ السفنَ الصغيرة،
تغسلُها بالملحِ والعسلِ،
وترسلُها شمالًا تحملُ رسائلَ العشّاق
إلى جزرٍ لا تعرفُ النسيان.
الملّاحونَ هناك يكتبونَ أسماءهم
على أذرعِ الموجِ بدلَ الدفاتر.

XII
ليلُ الإسكندرية ليسَ ليلًا،
بل غوايةٌ بطيئةٌ من نايٍ وملح.
طيورُ الليلِ تحومُ حولَ أعمدةِ الكهرباء
كأرواحِ الجنودِ الرومان،
تبحثُ عن جسدٍ آخرَ يُعيدُ إليها حرارتها.

XIII
في مسرحِ بيرم،
الضوءُ يمارسُ دورَ العاشق،
يلمسُ الخشبةَ كما لو كانتْ خاصرةَ مدينةٍ.
الجمهورُ يضحكُ،
لكنّ الحيطانَ تبكي
من أثرِ القصيدةِ القديمة:
"يا إسكندرية يا بنتَ بحرٍ وريح."

XIV
على كورنيشِ النوارسِ البيضاء،
تتكسّرُ اللغاتُ كقواقعَ قديمة،
تتعانقُ الفرنسيةُ والعربيةُ والقبطيةُ واليونانيةُ
في لحنٍ واحدٍ يشبهُ تنهيدةَ الموج.
هناك، في مقعدٍ رخاميٍّ مهجور،
كتبَ شاعرٌ مجهولٌ:
"الإسكندريةُ أنثى البحرِ التي لا تشيخ."

XV
المدينةُ الآن تبتسمُ من رمادِها،
كإلهةٍ إغريقيةٍ عادت من منفاها.
تغسلُ وجهَها بماءِ المتوسط،
وتفتحُ ذراعيها للسفنِ القادمةِ من كلِّ الجهات.
في قلبِها تختبئُ ذاكرةُ الرمل،
وفي جسدِها —
شهوةُ الخلود.

_______ 
سبتمبر 2019م
مركز ناصر الثقافي - الخرطوم

تعليقات

المشاركات الشائعة