ديوان : الفتوحات المدنية

مصعب الرمادي
الفُتوحات المدنية
____________________
الكاتب : مصعب الرمادي
الكتاب : الفتوحات المدنية
تاريخ
الطبع : أكتوبر 2023م
حقوق
الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
________________________
إلى سلطانة الغناء السوداني المعاصر / هدى عربي
________________________________
بين يدي السُلطانة
I
في أم درمان القديمة، حيث الحجرُ يشهد على الخطوات الأولى للمدينة، كانت الأزقة ضيقة والبيوت متلاصقة، والألوان على الجدران تتحدث لغة الماضي، لغة الحقيبة السودانية، لغة الصوت والضوء والضحك المختلط بالدموع، وهناك على خشبة المسرح القومي، وقفت هدى عربي، السلطانة، كأنها تقرأ كل شارع وكل بيت وكل نافذة كانت شاهدة على قصص المدينة، وعندما غنت، كان الهواء يرتجف، كل فتح يبدأ بها، كل كعبة هي هي، وكل دار تؤمن من دخلها إذ دخلها النور، فدار القلب هي دارها وفتوحات المدينة المعاصرة كانت فتح روحها الأثيرية اللطيفة بين محبي الفن السوداني الأصيل، كانت تمشي بين المسرح والإذاعة والتلفزيون، وتترك أثرًا كالمطر في صمت الأزقة.
II
في دار الاتحاد، حيث تتشابك أصوات الفنانين القدماء مع شباب اليوم، كانت الموسيقى تتحرك مثل شعاعٍ يبحث عن قلب يسمع، وهدى عربي تتحرك فيها كرمز حي لمدينة تتعلم فتح نفسها كل يوم، كل أغنية كأنها ختمٌ على زمن جديد، وكل ملاحظة لحنية تصبح فلسفة صوفية، وكأن فتحات المدينة كلّها تتجمع في صوتها، فتسقط الحدود بين القديم والمعاصر، بين الظاهر والباطن، كما لو كانت الفتوحات المكية تتكرر في شكل مدينة، فنحن نرى المعمار والموسيقى والأنغام والألوان كأنها كائنات تتنفس داخل المدينة، وكل خطوة فيها تأخذنا إلى كشف جديد عن الماهيات.
III
في مركز أم درمان الثقافي، حيث تقرأ المدينة نفسها، وتعيد صياغة حضارتها عبر الورق والضوء والصوت، كانت السلطانة تمثل روحًا جماعية، كل حكاية من حكايات الحقيبة كانت تتجسد في عينيها، وفي جسدها، وفي رقصها الصامت أحيانًا، وكأن المدينة نفسها تؤلف نصوصها الباطنية من خلال الأداء، من خلال كل نغمة ترتعش في الهواء، كل لحن يصبح مدرسة للتأمل، وكل حضور لهدى العربي يعلن عن فتح المدينة على نفسها، عن فتح القلب على الآخرين، عن فتح الزمن القديم ليصير حاضرًا مشعًا.
IV
دار الإذاعة، حيث الميكروفونات تتلألأ كالنجوم، كانت هدى عربي تهمس في الموجات الصوتية كما لو كانت تخاطب العالم كله بصوت واحد، صوت يلتقط أسرار المدينة والوجوه والقصص والموسيقى، كل كلمة تنطلق من فمها هي فتح صغير، وكل أغنية هي فتح كبير، كأنها تقول: "كل فتح يبدأ بك، وكل كعبة أنت"، وعندما يغلق الميكروفون، يظل الصدى يعيد فتح المدينة من جديد، يعيد فتح المدينة القديمة والمدينة المعاصرة، يعيد فتح الحكاية السودانية، يعيد فتح القلب، يعيد فتح العقل.
V
في دار التلفزيون، كانت الكاميرات تقف على بعد أمتار، لكنها لا تستطيع أن تقبض على الحضور، على الإشعاع الداخلي الذي يطلقه صوتها، فكل صورة تلفزيونية كانت مجرد ظلّ على الجدار، وظلّ على الزمن، وظلّ على ذاكرة المدينة، بينما هي، السلطانة، كانت تغني كما لو أن المدينة نفسها تؤدي الصلاة، كل أغنية صلاة، كل لحن ذكر، وكل لحظة على خشبة المسرح كانت فتحًا للأشياء، كشفًا عن الماهيات، تمظهرات الوسط الفني في الحياة اليومية، وسحر الفتوحات المدنية في الثقافة والفكر والإبداع.
VI
في أزقة أم درمان القديمة، حيث المارة لا يلتفتون إلا إلى الزوايا، كانت حكايات الحقيبة تتنفس من بين الجدران، كل شارع هو مفتاح لكل لحن، كل حافة باب هي بداية مقطع موسيقي، وهدى العربي تمشي، تتلمس الهواء بأصابعها، تسمع الأصوات الغائبة، وتعيد صياغتها في أغاني جديدة، كل خطوة هي فلسفة، كل همسة هي كشف، كل ابتسامة هي فتحة على المعنى، وهكذا تصير المدينة نفسها نصًا مفتوحًا، وكأنها مكتوبة بلغة الصوت والصدى واللون.
VII
في دار الاتحاد، وبين اللوحات والتماثيل والصور القديمة، كانت السلطانة تتفاعل مع التاريخ، تتنفسه، وتأخذه معها إلى اللحظة الحاضرة، كل أغنية كانت تأخذ شكلًا هندسيًا، كل حركة كانت هندسة روحية، كل لحن كان بناءً للوعي الجماعي، وكل جمهور كان شاهداً على صيرورة الأشياء، على ما تتسع له المدينة، على ما يمكن للفن أن يفعله، على ما يمكن للحياة أن تصبح، كل فتح مدني كان فتحًا داخليًا، وكأن الفتوحات المكية تتجسد في شكل حي هنا، على الأرض، بين الناس.
VIII
في مركز أم درمان الثقافي، كانت ورش العمل تجمع الشباب والفنانين والكتاب، والسلطانة تراقب، توجه، وتفتح، كل كلمة لها كانت فتحة على معرفة جديدة، كل نص يقرأونه يصبح تجربة صوفية، كل لحن يسمعونه يصبح كشفًا عن النفس، وكل حضور لها هو فتح المدينة على نفسها، فتح المدينة على العالم، فتح كل زاوية في العقل والقلب، فتح كل ما هو جميل ومخفي في السودان، فتح الروح على الفن والثقافة والإبداع، فتح الحياة على الناس.
IX
على خشبة المسرح القومي، حيث الضوء يسقط على الأرض القديمة، كانت السلطانة تقدم الحقيبة بألوانها الكاملة، كأنها تعيد تأسيس المدينة في كل عرض، كل أغنية كانت بناءً، كل لحن كان معمارًا، كل حركة جسد كانت نصًا، كل كلمة كانت صوفية، وكل جمهور كان يتلقى الكلمة كما لو كانت رسالة، كل فتح يبدأ بها، وكل كعبة هي هي، وكل دار تؤمن من دخلها إذ دخلها النور، كل مدخل هو قلب المدينة، وكل خروج هو نور جديد يضيء الأزقة.
X
في دار التلفزيون، بينما كانت الكاميرات تصور، كان الصوت يذهب أبعد من الصورة، يتغلغل في الذاكرة، يتسرب إلى البيوت والشوارع، كل أغنية كانت فتحًا على ذاكرة المدينة، فتحًا على الماضي، فتحًا على المستقبل، فتحًا على الفكر، فتحًا على الجمال، فتحًا على الوجود، فتحًا على النفس، فتحًا على الفن، فتحًا على كل ما هو حقيقي وراقي، فتحًا على كل ما يمكن أن يكون، كما لو أن الفتوحات المدنية هي فتوحات قلبية وروحية، امتداد للفتوحات المكية القديمة.
XI
في دار الاتحاد، حيث تجمع الحرفيون والموسيقيون والمبدعون، كانت السلطانة تجلس بين الجميع، تتحدث، تضحك، تغني، وتستمع، كل لحظة كانت اكتشافًا جديدًا، كل حكاية كانت درسًا في الحياة والفن، كل ابتسامة كانت فتحًا على الروح، كل حركة كانت هندسة للمعنى، وكل صوت كان نغمة تتنفس بها المدينة، وكل حضور لها كان استلهامًا للحياة، لكل من يشارك في الاحتفال بالفن، وكل من يريد أن يفهم جماليات الفتوحات المدنية.
XII
في أم درمان القديمة، بين الأزقة والأسواق، وبين الناس والبيوت، كانت الحقيبة تتجدد في أصوات الأطفال، في ضحكات النساء، في خطوات المارة، في أصوات الباعة، والسلطانة كانت تمثل هذا التجدد، كل أغنية لها كانت فتحًا على المدينة، كل صوت كان كشفًا عن الماهيات، كل لحن كان فلسفة صوفية، وكل حركة كانت نصًا، وكل ظهور لها كان رحلة استكشاف، رحلة فتح المدينة على نفسها، على الآخرين، على العالم، على الفن، على الجمال.
XIII
في مركز أم درمان الثقافي، بين الورش والمحاضرات والعروض، كانت السلطانة تترك أثرها العميق، كل كلمة كانت فتحة على المعرفة، كل حركة كانت فتحًا على النفس، كل أغنية كانت فلسفة، كل حضور كان كشفًا، كل ظهور كان إعلانًا عن فتوحات المدينة، عن فتح الوعي، عن فتح الجمال، عن فتح الفن، عن فتح الروح، عن فتح الحياة، عن فتح ما هو خفي، عن فتح ما هو ظاهر، عن فتح كل ما هو موجود، عن فتح كل ما هو ممكن.
XIV
بين المسرح القومي ودار الإذاعة والتلفزيون، كانت السلطانة تجمع كل الفنون في نص واحد حي، كل صوت وكل لحن وكل حركة وكل كلمة كانت جزءًا من نص وجودي مفتوح، نص حضري، نص صوفي، نص فلسفي، نص نقدي، نص شعري، نص حضاري، نص روحي، نص ثقافي، نص مدني، نص فني، نص سوداني أصيل، نص عالمي، نص إنساني، نص خالد، نص يتجاوز المكان والزمان، نص يتحدث عن المدينة، عن الحقيبة، عن الموسيقى، عن الفن، عن الروح، عن الناس، عن الجمال، عن الفكر، عن الإبداع.
XV
في دار الاتحاد، على المسرح، وبين الجمهور، وبين الموسيقيين والفنانين، وبين الأطفال والشباب والكبار، كانت السلطانة تمثل فتح المدينة على نفسها، فتح المدينة على العالم، فتح المدينة على الفن، فتح المدينة على الجمال، فتح المدينة على الفكر، فتح المدينة على الحياة، فتح المدينة على الناس، فتح المدينة على الروح، فتح المدينة على الحب، فتح المدينة على الحرية، فتح المدينة على كل ما هو حي، فتح المدينة على كل ما هو جميل، فتح المدينة على كل ما هو أصيل.
XVI
في أم درمان القديمة، في الأزقة والأسواق والبيوت، بين الناس والحي، وبين التاريخ والحاضر والمستقبل، كانت الحقيبة تتحدث من خلال السلطانة، كل أغنية كانت فتحًا، كل صوت كان كشفًا، كل حركة كانت فلسفة، كل ابتسامة كانت نصًا، كل ظهور كان رحلة، كل حضور كان اكتشافًا، كل لحظة كانت فتوحات مدنية، كل ليلة كانت احتفالًا بالمدينة، كل يوم كان إعلانًا عن الحياة، كل ثانية كانت فتحًا جديدًا، وكل شيء كان يتحرك بين الماهيات والصيرورة وتمظهرات الوسط الفني، كما في الفتوحات المكية، لكن على الأرض، بين الناس، في السودان.
XVII
وفي النهاية، بين المسرح والقلب، بين المسرح والمكان، بين الصوت والمدينة، بين الفن والروح، بين الحاضر والماضي والمستقبل، كانت السلطانة هدى عربي، تقف كرمز حي للفتوحات المدنية، كل فتح يبدأ بها، كل كعبة هي هي، كل دار تؤمن من دخلها إذ دخلها النور، كل المدينة كانت دارها، وكل الحضور كانوا شهداء على الفتح، وكل الحكي كان فلسفة، وكل أغنية كانت كشفًا، وكل لحظة كانت عيدًا، وكل نص كان نصًا صوفيًا، وكل حركة كانت هندسة للوجود، وكل صوت كان رسالة للحياة، وكل شيء كان فتحة على الجمال.
__
سبتمبر 2019م
الحلة الجديدة - الخرطوم


تعليقات
إرسال تعليق