ديوان : مقهى في كوباكابانا


 مقهى في كوباكابانا

ديوان شعرجديد بمناسبة كأس العالم _

(لم يكتمل بعد - البرازيل 2014م )

_____

لم يكن المقهى يطل على البحر
بل كان البحر يطل على المقهى
مثل إلهٍ متقاعد
جاء متأخراً إلى حفلة الخليقة
وحين جلس على الكرسي الأخير
سقطت من جيبه قاراتٌ صغيرة
سمّاها الناس منتخبات وطنية.


في البدء
لم تكن الكرة كرة
بل تفاحةً سوداء
تدحرجت من شجرة المعرفة
فأغوت الشعوب جميعاً
وأخرجتها من فردوس العزلة
إلى جحيم الجماعة الجميل.


كانت كوباكابانا
تمشط شعرها بالموج
وتضع على عنقها
عقداً من الأصداف واللغات
بينما كانت الطائرات
تسكب الغرباء فوق رمالها
كما تسكب الغيوم المطر.


كل قارةٍ جاءت
تحمل ندبةً سرية
أوروبا تحمل ذاكرة الحروب
وأفريقيا تحمل ذاكرة النهب
وأمريكا اللاتينية تحمل ذاكرة المناجم
وآسيا تحمل صبر الجبال
أما البحر فكان يحمل الجميع.


في المقهى
كان النادل يوزع القهوة
كما يوزع مؤرخٌ عجوز
نسخاً جديدة من الزمن
وكان السكر يذوب ببطء
مثل حدود الدول
داخل أغنيةٍ جماعية.


رأيت البرازيل
تخرج من جلدها الأخضر
كأفعى استوائية عملاقة
وتلتف حول العالم
ثم تهمس في أذن البشرية:
تعالوا ننسَ حروبنا قليلاً.


كانت الجماهير
أشجاراً متنقلة
تنبت في المدرجات
وتثمر أصواتاً وأعلاماً
وكلما هبت الريح
تساقط منها النشيد الوطني.


أما ماراكانا
فلم يكن ملعباً
بل قلباً حجرياً
زرعه المحيط في اليابسة
كي يتعلم البشر
كيف يدق الحجر أيضاً.


في الزاوية البعيدة من الليل
جلس فيلسوف مجهول
يكتب على منديل ورقي:
كل أمةٍ تبحث في الكرة
عن النسخة التي ضاعت منها
عندما اخترعت الحدود.


كانت الهزيمة
امرأةً ترتدي الأسود
وتجوب الفنادق بصمت
بينما كان النصر
مهرجاً ذهبياً
يعبر الشوارع راقصاً
ثم يختفي قبل الفجر.


رأيت طفلاً إفريقياً
يتابع المباراة
من شاشةٍ متشققة
ورأيت مصرفياً أوروبياً
يتابعها من جناحٍ فاخر
لكن القلق
كان يجلس بينهما بالتساوي.


هناك
حيث يلتقي الرمل بالمحيط
كانت الأساطير القديمة
تبدل أسماءها
وتدخل الملعب
مرتدية قمصان المنتخبات.


صار التانغو
خطةً تكتيكية
وصارت السامبا
طريقةً في التمرير
وصار الفلامنكو
مناورةً هجومية
وصار العالم رقصةً واحدة.


كل هدفٍ
كان شهاباً صغيراً
يسقط في بحيرة الذاكرة
فتتموج القلوب
بعيداً عن الملعب
آلاف الكيلومترات.


كان المعلقون
كهنة العصر الحديث
يفسرون المعجزات
ويرتبون الفوضى
ويمنحون الأسماء
حياةً إضافية.


أما اللاعبون
فلم يكونوا أفراداً
بل لغاتٍ تمشي على قدمين
كل واحد منهم
يحمل قاموس أمة
فوق ظهره.


في الدقيقة الأخيرة
رأيت الزمن
يجلس على مقعد الاحتياط
وينظر بحسدٍ إلى الكرة
لأنها تسافر أكثر منه.


كانت العولمة
تعبر الشوارع
في هيئة فتاة برازيلية
ترتدي عشرين علماً
وتتكلم خمسين لغة
ولا تنتمي إلا للموسيقى.


ورأيت الهوية
كطائرٍ مهاجر
يحاول العودة إلى عشه
لكنه يكتشف كل مرة
أن العالم صار أكبر
من الخرائط القديمة.


هناك
في منتصف الليل
حين نامت الفنادق
وبقي البحر مستيقظاً
بدأت البطولة الحقيقية:
بطولة التأويل.


سأل شاعرٌ من القضارف:
هل نحب الكرة
أم نحب أنفسنا فيها؟
ولم يجبه أحد
لأن الجميع
كانوا مشغولين بالبحث عن وجوههم
داخل الشاشات العملاقة.


وكانت القارات الخمس
تدور حول الكأس
كما تدور الكواكب
حول شمسٍ مؤقتة
صنعها الخيال البشري
من الذهب والانتظار.


أما البحر
فقد ظل يضحك
من كل ذلك المجد
لأنه يعرف
أن الموجة التي تصفق اليوم
ستختفي غداً.


ومع ذلك
ظل البشر يحتفلون
لأنهم أدركوا أخيراً
أن الأشياء الزائلة
هي أكثر الأشياء استحقاقاً للحب.

 

13يوليو 2014م

مقهى الجزيرة الرياضي – القضارف

 

__
-

تعليقات

المشاركات الشائعة