ديوان : تفسير التوحيدي

تفسير التوحيدي 
مصعب الرمادي

تفسير التوحيدي

_______________________

الكتاب  : تفسير التوحيدي 

الكاتب : مصعب الرمادي 

تاريخ الطبع : ديسمبر 2019م 

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف

______________________

*إلى روح د / حسن  عبدا لله الترابي

_____________________________

ما في الدار واحد

I

الألوهية بالغار لا تراها في خيوط العنكبوت  . لا تتغاضى عن إلتباس  .  الالوهية الضريرة  لا تظن بها عش الحمامة  او  سُكنى ذاك ال الذي لا يقربُ الآهما  و المحظور لفرط اعتمال تمظهرها الفذ بالباطني . العبودية بالمحراب تقول بألوهية الغار  فلا تتحرى بهما  ذلك  المثال المثيل الذي قد لا يقيم حجتها على الأباطيل لولا فرادة الذات والصفات والأفعال.

II

على غرار المتجانس المتعارف عليه كما صار يملك من خلالهم قدرتها الإدراكية التي بها صارت تحفز الواحد الصحيح على تداعي ما يجبر كسر جناح الليل المهيض . على غرار  المسائل المختلفة  أحادية تعدد الكثير والتي بها لا تضير تسطح الأشياء والحقيقة الكامنة وراء معية شراكة المتطور.

... ..


وقد لا يكتفي الواقع الفردي بما يؤسسه الخيال المحض وقرائح البديهة الحاضرة دون أن تكشف العلاقات تقدم المتأخر من حجب ذاكرة التشويش التي بها لم يعد يستفسر عن أحقية فاعلية الجدل البناءة في ابتكار المفاهيم وتفنيد أسانيد  اللوغريثمات .

III

وليس أن يسع " التوحيدي " تفسيرها قبل  وقوف العربة أمام الحصان كمثل من لا يعنيه في أحد  بهم  ان لا يشكل عليه و مقاربة إطلاع المتبحر كما لا يظن وتصوف الفلسفة بالطريق السالكة لبراعة معترك الأساليب.

IV

يشاركها التفكير بمحض ما تطلب لفرادة  تختارها ضمن تعقيد متون الحواشي المزوقة كما لا يستقرأ بها غيرهما و طوالع الغيوب المدلهمة بحذافير  النتائج الممكنة و قطع الليل المفضية إلى قعر هاوية تفسير التوحيدي .

... ..

لوذاً قبل أن يداهمني الحنين  لا يخرج عن الملة ما قد لا يلوي به المنافق في الاستعانة بالنديد لكيلا يكف به هدير المدن الحجرية تصاوير سقف العالم الماورائي لاعتقاد لا يظن به في قدرة الثاوي على أعادة الحياة للموتى وكشف المستور لغشاوة ما لا تبصره سريرة الأعمى .

V

بينما لا سطوة قد تكبح بها استطراد الأوحد لا يستفتي بالمدينة غيرهما قبل خلو الأثر المتبقي بشعشعة الورس وجذوة المترنح بالطريق التي لم تسلكها بصيرة المدل على تجوهر الكأس بمرايا جنة التأويل .

VI 

لا يضارع السمت وعورة اللاذع من تزويق مضارعة النقيض كمثل الذي لم يفلت من رادع المناكفة دون تماهيه و جحيم الآخرين قبل امتقاع تلوين الشاحب و دنوهما من وشيك كاد به الأوحد أن يظهر على تجلي تثنية الثالوث. 

... ..

وقد لا يناظر بهما المثيل سواها لولا خلوة التشاريع التي قد لا تكف عن تعاليم النواهي أو تسكن بجانب النكوص لعماءٍ أوشك المختصر إليها أن يرد اليها نقصان تمام كمالهما الأخرس . وقد لا يبلغ من منتهى سدرة الأسواق غير تمحيص المتربص لذرائع لا تكاد تظهر على جلية المبهم من تجلي وحدانية الشريك. 

VII

ولتكن لفضل المحايثة غير ما تجني ثمار الحسك البري  واجتراح غربة الفراسخ التي تدنو من وجوم النهاية لتكن بهما بداية السعي المنهك حتى إعياء الحظوة بالكائن الغفل الذي يخترع الصبوة الهائلة ويختلق عقدة المسرد المشَّوقة.

VIII

كما تكمن الدياجير خلف هذا الحجر لا يغتسل  بهما غير الينبوع بمصادفة الخرير المتحقق من كنه غموضهما  كالذي عبرهما قد دل كل هذا الجمال الفاحش على ملازمة المحاق من طلعة قمر ناقص ما يزال يتنكب به  المتكور بدثار الرعدة الكاشفة ماراء حدوس مشارح المزمل الباهرة .

... ..
 لا يقل الاعتداد بالخارج كمثل من لم يقم به الدحض لإفتراء نقمة التوحيدي على عصره بمعاصرة الراسخ على اعتياد تمادي غلظة المتبرم. لا يزيد عن حاجة المطفف مثقال ما لم يناظر به مزاجه المتوعك إثر تفريط كبوة العاثر لمدى ما لم يغادر من تراكم المتعارف عليه من بداوة مشافهة السؤال.

IX

ينفعل بالمكنون و لواعج توارى بها ختل ابتداع لتراجمها وإشاراتها الدلالية ما قد لا يشغلهم إلاّ بالمسائل التي بها "المؤانسة والإيناس" و " البصائر و الذخائر " بمقدار ما تسع مقايساتها لتحفة خالصة من دربة وحذق لا تند الإّ عن تزويق مكاتبيه في الورع والتصوف ومراسيله من حرفية الصانع الماهر.

X

وكما قد لا يحاكي الخافق سواهما و قبضة طينة المتخلق لنفخة بروح الوجودية لا تني تتفَّكر بهما على صيرورة المُتحول  قبل حالق لا يزال يتواضع  على حمأة التكوين لشاهق ما ترامت بها آفاق المنذور لمحاصصة المانع و دقة المتفوق على مناظرة ما لم يناظر  تعابيرها سواه.

 ... ..

بجانب المتنوع الثمار و حصيلة المثقل . بمحاذاة الغزارة المحتوى الذي لا يتضمنه و شطوح الدرويش الذي يعبر الماء بنعل من هواء لا تضل بها  دهشة المعقود على تهاويل الحضرة ونزوع طيران الجبل.

XI

يعتصره الألم وتكدر صفو عيشه عزلة المطنب في مجافاة صنيع ما  يشق عليه الإستمرار فيه . تقسو عليه الأيام كما لا تلازم النحلة غير غرابة اللفظ الذي بها لم يعبر به التوحيدي الضفة الثالثة من برح وأوجاع الوحشة والحيرة و اليأس المطبق .

  

 غنوصية المطلق
لم يكن التوحيدي سوى جرحٍ يكتب،
حبره دمُ الحكمة، وورقه رمادُ المدن،
يطلّ من خراب البصرة ليقول:
اللغةُ ليست زينةً، بل محاكمة،
والفكرُ ليس طريقاً، بل هاوية.

أجلسُ معه على مائدة الظلال،
مصعب يمدّ كفّه إلى سوادٍ آخر:
"هكذا علّمني الترابي أن التفسير ليس شرحاً،
بل كسرٌ للعالم حتى يتجلّى المطلق."

التوحيدي يبتسم ابتسامةً صفراء:
"أيّها السوداني، لا تخدع نفسك،
المطلقُ نارٌ لا تُفسَّر،
إنه يحرق المفسّر قبل النص."

أنا، بين الاثنين،
أسمع صراخ الأنهار حين تبتلعها الصحراء،
وأرى المعاني تتناسل كأفاعٍ
تبتلع ذيولها في دوائر
لا تنتهي.

"الكتاب ليس غايةً"، يقول الرمادي،
"بل وسيلة لاختراق المطلق،
كما يختنق العاشق في صدر معشوقته
ثم يولد من جديد."

التوحيدي يهزّ رأسه:
"لم أكتب لأهدي الناس حياةً،
كتبتُ لأدلّهم على موتٍ أرقى،
موتٍ يجعل الروح تذوب في الحرف."

المطلقُ هنا، في كل مقطعٍ،
لكن لا أحد يراه،
هو الغيابُ الذي يتخفّى في الكلمات،
هو القسوةُ التي تجعل القصيدة
مقاماً صوفيّاً بلا مريدين.

الرمادي يرفع صوته:
"التفسير التوحيدي كتابُ المنفى،
المنفى الذي جعل الترابي يحلم
بقراءةٍ أخرى للقرآن،
قراءةٍ تتجاوز السلطان والفقهاء،
لتصير صرخةً في ليل الخرطوم."

التوحيدي يضحك:
"وأنا صرختُ في ليل بغداد،
لكن من سمعني؟
الحكّام كانوا يطلبون مدائح،
وأنا كنتُ أكتب جنائز."

القصيدة تتحوّل إلى مقبرة،
كل جملة شاهدةُ قبر،
وكل استعارةٍ جمجمةٌ لامعة،
لكن المطلق يظلّ يرقص
فوق العظام.

"الغنوص"، أقول لهما،
"ليس علماً بل احتراق،
ليس معرفةً بل شظايا جهلٍ
تتطاير كالمجرّات."

التوحيدي ينحني:
"ها أنت فهمتني يا رمادي،
المطلقُ لا يُقبض عليه،
بل يُنزف حتى آخر قطرة."

الرمادي يصرخ:
"لكنني شاعر،
والشاعر هو القاتل الوحيد
الذي يبتسم وهو يذبح اللغة
ليقدّمها قرباناً."

المطلق يقترب:
وجهه بلا ملامح،
صوته بلا لسان،
يقول: "كلُّكم لستُم سوى مراياي،
تتشظّون لأني أرفض أن أُرى."

الخرطوم وبغداد،
دمعٌ واحدٌ في جرحين،
كلاهما مدينةٌ مخذولة
تبحث عن مطلقٍ يداويها،
لكنها لا تجد سوى كتبٍ محترقة.

"أيها الترابي"، يتمتم الرمادي،
"أنتَ علّمتني أن أفسّر
لا بما ورثت،
بل بما أوجعتني به الحياة."

التوحيدي يبتسم:
"وهل يختلف ذلك عمّا فعلتُ؟
لقد كتبتُ من وجعي،
لا من يقينٍ صامت."

المطلق يبتعد،
كأنه نجمٌ قديم،
يترك خلفه ذيلاً من الرماد،
يكفي لكتابة ألف ديوانٍ جديد.

الرمادي يكتب:
"قصيدتي ليست للزينة،
قصيدتي محاكمة،
والشعر ليس موسيقى،
بل خنجرٌ يُغرس في قلب العالم."

التوحيدي يردّ:
"وكل خنجرٍ، في النهاية،
يصدأ في جسد صاحبه."

أسمع الطبول:
طبول الجنقو، طبول الحقول،
طبول الصوفيّة وهي تدور،
كلّها تبحث عن المطلق،
لكن المطلق يصمت.

الخراب نصٌّ آخر،
المنفى نصٌّ آخر،
والقصيدة جسرٌ يتداعى
بين خرابٍ وخواء،
لكن العابرين يصرّون أن يمشوا.

هكذا ينتهي المشهد:
التوحيدي يختفي في ليل البصرة،
الرمادي يذوب في دخان الخرطوم،
والمطلق يضحك،
لأنه يعرف أن لا أحد نجا،
وأن القصيدة نفسها
ليست سوى فخٍّ آخر من أفخاخه

سيدةٌ من أتاوا الكندية تشبه السيدة وصال المهدي

1
في قرية قلع النحل، حيث تتكسر الأجنحة على صخور المسغبة،
كان المفكر يحفر في الطين اسمه،
ويحاور العدم كما لو كان صديقًا قديمًا،
لكن التفاهة جلست على كرسيه،
ورفعت راياتها في السوق.

2
الإيمان ـ قال الترابي ـ ليس سبحة تُدار،
بل برقٌ يعبر مجرى الدم،
ولكن العوام أرادوا له أن يصير طقسًا مُعلّبًا،
يتدلى في عنق السلطة،
ويُباع مع السكر والزيت في دكاكين القضاء.

3
وصال المهدي، القادمة من أوناوا،
حملت في حقيبتها صور المنفى،
ومصحفًا ممزق الغلاف،
وشهادة ميلاد غريبة،
أرادت أن تقرأ فيه معنى الوطن، فلم تجد غير الغياب.

4
غنوصية الفن والدين:
عندما يلتقي الناي مع الدعاء،
وتصير اللوحة محرابًا،
ويغدو المسرح خلوة،
لكن التفاهة لا تفهم سوى إعلانات تجارية على جدار الوقت.

5
في تونس عبروا،
وفي مصر تواروا خلف جدل الأزهر والسلطة،
وفي السودان ظلّوا يبحثون عن قمرٍ لا يخون،
فوجدوا الليل أرحب من الدساتير.

6
وصال المهدي تصرخ:
“هل يُمكن للفن أن يُنقذ ما تبقى من الله في الإنسان؟”
فيجيبها البحر الكندي:
“الله لا يحتاج إلى إنقاذ،
بل الإنسان الذي صار كائنًا بلا ميتافيزيقا.”

7
القرية تذكر:
الشيخ المطارد،
الأطفال العراة في الطين،
وكلبًا أعرج كان يرافقه حتى باب الخلوة،
ليسمع جدل الدين والسياسة،
ثم ينام غير آبه بمؤامرات العسكر.

8
الإيمان الذي كتبه الترابي في كتابه،
لم يكن زينة مكتبات،
بل صرخة في قلب الخرطوم،
لكن الخرطوم غاصت في الطمي،
وباعت صرخاتها في مزاد الأمم.

9
وصال المهدي تكتب بريدًا إلكترونيًا لأمها:
“أنا غريبة هنا وهناك،
لم يعد للسودان في قلبي إلا جرحه،
ولم يبقَ لمصر إلا نهر يشيخ،
ولتونس إلا أبواب زرقاء تسأل عن جدوى الحرية.”

10
السريالية التي تحلم بها وصال،
ليست لوحة ذائبة لساعة دالي،
بل وطن يتبخر من الخرائط،
ويعود ليظهر على جدار قلبها،
كوشم لا يُمحى.

11
المحنة ليست في السجون،
ولا في المنافي،
بل في الأرواح التي آمنت أن التفاهة قدر،
وأن الإيمان مجرد تصريح عبور إلى الجنة،
ممهور بختم البيروقراطية.

12
أطفال قلع النحل،
يحملون دفاتر بلا أوراق،
ويكتبون بأصابعهم في الهواء:
“الحياة ليست خبزًا فقط،
إنها سؤال يذبحنا كل صباح.”

13
وصال المهدي في أوناوا،
تتذكر جدها الذي قُتل في حرب لا معنى لها،
وعمتها التي ماتت وهي تحلم بمائدة طعام،
وتسأل: “هل نُهاجر إلى المطلق،
أم المطلق هاجر منّا؟”

14
الدين والفن يتعانقان في الظل،
لكن الحشود لا ترى سوى الفراغ،
القصائد تُشنق في الميادين،
والألحان تُسحق تحت جنازير الدبابات،
والمطلق يضحك من بعيد.

15
في النهاية،
وصال المهدي ليست سوى رمز،
امرأة تبحث عن الله في مدن الثلج،
وعن الفن في قلوبٍ مثقوبة،
وعن الوطن في قصائدٍ تُحرق كل يوم.

من  منشية الترابي
في حي المنشية بالخرطوم، بيتٌ صغير يجاور النيل،
هناك تتكثف الأساطير حول رجلٍ جعل الفكر مسرحاً للمعارك،
وحياته قنطرة بين الشريعة والدستور، بين الثورة والانكسار.

حسن الترابي… اسمٌ يتوزع على منصات السياسة،
محراب القانون، وصيحات اللغة العربية،
باحثٌ عن مطلقٍ يتجاوز الانقسام،
ولو جرّ وراءه عواصف لا تهدأ.

في السياسة كان جدلياً كمرآةٍ مكسورة،
يرى الإسلام مشروعاً للحكم،
ويرى الدولة نصاً مفتوحاً للتأويل،
حتى اصطدم بالجنرالات، ثم تحالف معهم،
ثم صار خصمهم العنيد.

وفي القانون، أعاد قراءة النصوص،
أرادها أن تكون حية، تتنفس مع الإنسان،
فلم يقبل أن تُحبس الشريعة في قوالب الفقه التقليدي،
بل جعلها تتحرك مع المجتمع…
مثل ماءٍ يتدفق لا يعرف السكون.

أما اللغة، فقد رآها جسراً للوعي،
ليست زخرفاً بل أداة لتثوير العقل،
وفي محاضراته كان يلوّن العربية بجدلٍ صوفي،
يمزجها بالمنطق، ويزرع فيها بذور فلسفةٍ جديدة.

لم يكن الترابي غريباً عن تيارات النهضة،
فبعد حملة نابليون، ارتجّ الشرق من سباته،
وانبثقت مدارس التجديد والحداثة،
وكان هو من أبناء هذه اليقظة المتأخرة،
يرى نفسه وارثاً لمحنة الأفغاني ومحمد عبده،
لكن في أرض النيلين.

في ثورة أكتوبر 1964،
كان من شباب الجامعة،
يحمل صوته بين الجماهير الغاضبة،
يلبس عباءة القانون، ويخفي تحتها نار الثورة،
حتى صار رمزاً لتلك الانتفاضة الأولى.

ثم جاء عهد مايو،
ورقصت البلاد على وتر الشعارات،
مرةً في يسارٍ ماركسي،
ومرةً في يمينٍ ديني،
وكان الترابي هناك…
يبني تحالفاتٍ تذوب سريعاً كملحٍ في الماء.

ثم الإنقاذ…
انقلب الليل على فجره،
وأصبح الفكر قوةً في يد الدولة،
لكن الدولة ابتلعت الفكرة،
وأصبح الشيخ في السجن، ثم في الظل،
شاهداً على مأساةٍ كتبها بيده،
ثم أنكرها في مرارةٍ صامتة.

عند منشية الترابي،
كانت العائلة الصغيرة تحيط به،
زوجةٌ رفيقة صبر،
وأبناء يتوزعون بين الخرطوم والغربة،
بين السياسة وطلب العلم،
بين صخب الإعلام وصمت البيوت.

لكن الشيخ ظلّ يرى نفسه شاهداً على النهضة،
على العالم وهو يتبدل في زمن الحداثة،
على العولمة وهي تفتك بالهويات،
على الدين وهو يتسع ويضيق،
مثل رئةٍ مرهقة.

كان الترابي كثير الأخطاء، كثير الاجتهاد،
لكن في خطابه كان دوماً يطلب المطلق،
يسائل النصوص،
ويفكك سلطان العادة،
حتى جعل أعداءه أكثر من أتباعه.

في قلع النحل بالقضارف،
حُمل اسمه على الألسن،
بعضهم يراه مُجدداً، وبعضهم فتنةً،
وكأن محنته الشخصية جزءٌ من محنة السودان ذاته،
محنة الفكر حين يصطدم بالسلطة،
ومحنة السلطة حين تبتلع الفكر.

أما الأدب العربي،
فقد ازدهر بعد حملة نابليون،
حين رأى الناس المطبعة لأول مرة،
وحين سقطت الحواجز بين الشرق والغرب،
وكان الترابي يقرأ ذلك الإرث،
يرى نفسه امتداداً لزمن الطهطاوي وطه حسين،
لكن على أرضٍ أقل حظاً من القاهرة وباريس.

وعند منشية الترابي…
يقف التاريخ شاهداً متردداً:
هل كان الرجل نبياً سياسياً خذلته الأرض؟
أم كان لاعباً ماهراً في رقعة الشطرنج؟
مهما يكن، فقد صار بيته في الخرطوم
علامةً على جدل السودان مع ذاته،
وعلى أن النهضة لا تولد إلا من رحم المحنة

عند  مدرجات جامعة السوربون

I.
في باريس، حين كان الترابي يجلس في مدرجات السوريون، كان يسمع همهمة العلمانية الفرنسية مثل جوقة بلا إيقاع، تبحث عن لاهوتٍ جديد.

II.
العلمانية هنا لم تكن عداءً محضاً، بل كانت قفازاً من حرير يغطي قبضة من حديد. الترابي فَكّكه كما يُفكِّك نحويٌّ جملة مضطربة.

III.
لويس أراغون يظهر فجأة في شارع الجمهورية بالخرطوم، يكتب على جدران الوزارات المهجورة شعراً عن الحُب الأحمر، وعن عروقه التي تمتد من باريس إلى توتي.

IV.
جاك بريفير يجلس في مقهى «أتنيه» بالخرطوم، يُلقي قصيدته على عمال البريد، يخلط بين خبز العيش السوداني وكلمات الحرية التي تسيل من فمه مثل ماء النيل في الفيضان.

V.
أما رامبو، فقد عاد من هرر وحرمل نفسه من جديد، يمشي في شارع القصر، يضحك ضحكته المرة، ويهمس: الخرطوم باريس أخرى، لكنها تحت الشمس.

VI.
الترابي يسمعهم جميعاً؛ يرى في أراغون امتداداً لفوضى الشيوعية المغنّاة، وفي بريفير ظلَّ إنسانوية بلا دين، وفي رامبو توقاً لبعث الشعر كنبوة ضائعة.

VII.
في مدرجات السوريون، كانت النقاشات حول اللائكية عاصفة. لكن في الخرطوم، كانت الأشجار ذاتها تُلقي ظلها على نصوص الشعراء الفرنسيين وهم يستجدون لغة سودانية.

VIII.
الترابي يواجه العلمانية الفرنسية لا كعدو، بل كخصم جدلي؛ يسألها: هل الحرية ممكنة بلا مرجعية؟ فتجيبه بجفاء: الحرية هي المرجع.

IX.
أراغون يرد من بعيد: الشعر هو المرجع. بريفير يبتسم: الحب هو المرجع. رامبو يصرخ: لا مرجع إلا الجنون.

X.
بين برج إيفل وقبة البرلمان السوداني، ينهض جسر خيالي، عليه الترابي يتجادل مع فلاسفة باريس، بينما الشعراء الفرنسيون يرقصون مع باعة الجرائد في السوق العربي.

XI.
الخرطوم تصير مدينة مزدوجة: نصفها بالفرنسية، نصفها بالعربية، والجسر بينهما قصيدة لم تكتمل.

XII.
الترابي يتأمل ذلك المشهد: كيف تحيا ثقافة بلا عقيدة، وكيف تموت عقيدة بلا ثقافة؟

XIII.
في كلية الحقوق، باريس تُعلِّمه صرامة القانون، لكن الخرطوم تُعلِّمه مرونة اللغة. هناك جفاف العقل، وهنا خصوبة المخيلة.

XIV.
أراغون يكتب على الرمل قرب النيل: «الحب سلاح»، وبريفير يُوزع أوراقاً صغيرة كالأغاني الشعبية، ورامبو يرسم برج إيفل في صحن فول مدمس.

XV.
الترابي يبتسم: ما بين هؤلاء الشعراء وهذه المدينة، يكمن سرُّ أن تُكتب الحداثة بلغة مزدوجة: سيف وعود، صلاة وثورة.

XVI.
العلمانية الفرنسية تتحول إلى ظلّ طويل يمد يده فوق النيل، لكنها لا تعرف أن النيل نفسه ظلٌّ آخر، يبتلع كل الأيدي.

XVII.
ويخرج الترابي من مدرجات السوريون لا بكتابٍ واحد، بل بحديقة متناقضة: فيها زهور الثورة الفرنسية، وأشواك الشعراء الفرنسيين، وأغصان الفكر السوداني الذي سيظل يطرح أسئلته على الخرطوم حتى الأبد.


 بين حسن الترابي و أدونيس

I
باريس ليست باريس حين يفتح الترابي مصحفه،
وليست الخرطوم حين يرفع أدونيس قلمه.

II
بين النيل والسين،
تصير الكلمات جسرًا من نارٍ وماء.

III
التوحيد عند الترابي كمنارة،
وعند أدونيس كبرقٍ يخترق الغيم.

IV
لويس أرغوان يضحك في ركنٍ من السوربون،
يسأل: أيهما أقرب إلى الثورة؟ الإيمان أم القصيدة؟

V
جاك بريفير يرسم طفلة تبيع الزهور قرب النيل الأزرق،
يضع وردة في كتاب الترابي، ودمعة في كتاب أدونيس.

VI
رامبو، المرتحل إلى الحبشة،
يرى في الخرطوم باريسًا أخرى معلّقة بين الجنون والرمل.

VII
الترابي يقرأ الثورة الفرنسية في مرآة الفقه،
يرى ماري أنطوانيت كأنها امرأة سودانية في سوق أم درمان.

VIII
أدونيس يقرأ الثورة كقصيدة مجاز،
ويصرخ: إن الحرية هي أن تقتل الأب لتخلق أبًا جديدًا.

IX
بين التفسير والكتاب،
تتقاتل الكلمات: آية أم استعارة؟

X
الأجيال الجديدة تجلس على أرصفة الثورة،
تتساءل: هل نستطيع أن نصلي بالفرنسية؟

XI
الترابي يجيب:
العلمانية ليست إلغاء الدين، بل إعادة تدبيره.

XII
أدونيس يهمس:
الدين هو القصيدة، والقصيدة هي البديل.

XIII
لويس أرغوان يرفع كأس النبيذ في باريس،
ويضحك: الخرطوم أفقٌ لم يفهمني.

XIV
جاك بريفير يكتب على جدران العمارات المهدّمة:
"الحب هو السياسة الوحيدة الممكنة".

XV
رامبو، الطفل الشقي، يقول:
"كل قصيدة تبدأ من جرحٍ، وكل دولة من جريمة".

XVI
الترابي يضع أطروحته أمام لجنة السوربون،
الأساتذة الفرنسيون يرون فيه ثورةً أخرى.

XVII
أدونيس يضع كتابه على طاولة الأمم،
الملائكة تصفق، والشياطين تسجل ملاحظاتها.

XVIII
الأجيال الجديدة ترى في الاثنين معًا مأزقها:
إما إيمان يقيّد، أو حرية تحرق.

XIX
لكن الخرطوم–باريس مدينة واحدة،
حيث يصلي المسلمون مع الشعراء في مقهى دي فلور.

XX
الترابي ينظر في وجه أدونيس:
"أنتَ شاعر بلا قبلة".

XXI
أدونيس يبتسم:
"وأنتَ فقيه بلا مستقبل".

XXII
لويس أرغوان يدوّن في دفتره:
القرآن والحداثة طفلان يتخاصمان في حضن إفريقيا.

XXIII
جاك بريفير يرسم قوس قزحٍ من دماء الشهداء،
يعلقه فوق جامعة الخرطوم.

XXIV
رامبو يصيح من بعيد:
"أنا السودان، أنا الممر بين الشرق والغرب".

XXV
الترابي يحلم بجمهورية إسلامية،
أدونيس يحلم بجمهورية شعرية.

XXVI
الأجيال الجديدة تريد جمهورية إنسانية،
لا تعبد إلا الحرية ولا تخاف إلا القمع.

XXVII
بين التوحيد والكتاب،
تتولد جمهورية ثالثة من نارٍ وماء.

XXVIII
باريس تمدّ يدها إلى الخرطوم،
لكن الخرطوم مشغولة بحروبها الداخلية.

XXIX
الترابي وأدونيس،
شخصيتان تمشيان في شارع الجمهورية الفرنسية،
كلٌّ منهما يظن أن الآخر على خطأ.

XXX
وفي النهاية،
يبقى السؤال للأجيال الجديدة:
هل يمكن أن نكون شعراء مؤمنين،
أم علينا أن نختار بين الله والقصيدة؟

ع جماهير نادي ليفربول الإنجليزي

I
تحت قباب آنفيلد، يتردّد صدى التكبير مع أناشيد الجماهير،
بين حنجرة محمد صلاح وسؤال التوحيدي عن معنى الوجود.

II
يورغن كلوب يبتسم ابتسامة الترابي،
كأنّ الشيخ خرج من قاعة باريسية،
ليجلس على خط التماس، يفسّر حركة الكرة بفقه المقاصد.

III
أدونيس يقرأ من "الكتاب أمس المكان الآن"،
لكن صوته يتكسّر وسط هدير المشجعين،
كأنّ الشعر الفرنسي يذوب في حمراء ليفربول.

IV
رامبو، الثائر العشريني، يطلّ من النيل الخرطومي،
ليجد نفسه في المدرج الأحمر،
يرى الحرية لا في المانيفستو، بل في تمريرة عابرة للخطوط.

V
جاك برفير يتلو قصائده عن الحب والمدينة،
لكن صوته يغدو جوقة جديدة:
"You’ll never walk alone"،
كأنّها دعاء العاشقين عند أبواب السماء.

VI
لويس أرغوان، المجهول بين الحشود،
يشرب البيرة كما يشرب السودانيون الشاي بالنعناع،
يضحك على تناقضات اللاهوت والسياسة والكرة.

VII
محمد صلاح، أيقونة النيل،
يمدّ جناحه الأيسر مثل ملاك غنوصي،
يضرب الكرة، فتغدو مثل آية تتردّد على شاشات الكون.

VIII
الترابي يعود ليجادل أدونيس:
هل النص يغلب الصورة؟
هل التفسير يسبق القصيدة؟
والجماهير لا تعبأ… تهتف فقط: Mo! Mo! Mo!

IX
في قلب لندن، يلتقي الحاضر بالغيب،
المباراة ليست مباراة،
إنها جدل لاهوتي حول الحرية والقدر.

X
حين يصفّر الحكم،
ينهض التاريخ من مقعده،
ويتذكر أن باريس والخرطوم وليفربول
ليست سوى مدن في نص واحد.

 

___________

يتبع

_____

ديسمبر 2019م  

حي المنشية - الخرطوم

تعليقات

المشاركات الشائعة