ديوان : فوق مياه البحر الكاريبي

فوق مياه البحر الكاريبي        

جندي أمام علمي أميركا وفنزويلا (تعبيرية - آيستوك)

مصعب الرمادي

فوق مياه البحر الكاريبي

____________________________

الكتاب : فوق مياه البحر الكاريبي    

الكاتب : مصعب الرمادي

تاريخ الطبع : نوفمبر 2025م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

__________________________

 Latin Memory
I
على المياه التي تُشبه صدعًا في مرآة الكون،
كنتُ أرى الكاريبي يفتح صدره ككتابٍ سماويّ،
تتناثر منه جزرٌ كحروفٍ هاربة،
وتُطلّ امرأةٌ من لُجّته كأنها خارطة مضادة
رسمتها يدُ الريح على جلد الموج.
هناك، كانت الهوية تتكسّر مثل قوقعة،
ثم تُعيد نفسها في شكل طائرٍ أزرق
يصرخ باسم لم نعرفه بعد.

II
الآلهة التي سكنت البحر الكاريبي
لم تكن تُحبّ اليقين؛
كانت من طينٍ وملحٍ ونبوءة،
تمشي على الماء كأنّها تتذكّر
ساقيْ امرأةٍ أفقدتها الحربُ ظلّها.
كلّ إلهة هنا
تحمل في راحتيها جرحًا سودانيًا
تلألأ تحت الشمس
كأنه خاتم الهجرة الأخير.

III
في الليلة التي نزل فيها الهنود الحمر إلى الماء،
اهتزّ البحر كما لو أن قلبه
تذكّر أول قاربٍ مكسور.
الأرواح خرجت من الغابات
كأغنيةٍ خضراء،
وأخذت تلمس الموج
كما يلمس طفلٌ وجنة أمّه
بعد غيابٍ طويل.

IV
المرأة في الكاريبي ليست جسدًا،
بل شبه جزيرةٍ من الضوء،
جدارًا من نارٍ يصدّ الريح،
وممرًا سرّيًا
تختبئ فيه الذاكرة من مطاردة الزمن.
كلّما اقتربتُ منها
تغيّر شكلي،
وصرتُ موجةً تبحث عن شاطئٍ يفهمها.

V
هُنا… قبل أن يولد التوتر،
كان البحر وادعًا كعرسٍ حزين،
تتعانق فيه الأسماك
مع نشيدٍ غير مكتمل.
لكنّ التاريخ،
كما يفعل دائمًا،
ألقى حجرًا في صدر الموج
وانتشرت الدوائر
كوردةٍ تذبل فجأةً بلا سبب.

VI
الحدود بين أمريكا وفنزويلا
لم تكن على الخرائط فقط؛
كانت شقًّا أسود
يتنفّس في العمق،
ينبضُ مثل جرحٍ قديم
تركه قرصانٌ على كتف الأيام.
من هناك،
ابتدأ البحر يفكّر
في معنى أن تكون الأرضُ نارًا
والموجُ مرآةً تشهد عليها.

VII
في ذلك الفاصل الرفيع
بين هدير البحر
وهدير السياسة،
سمعنا الأغاني تُكسر،
والعصافير تُهجّر،
والعشّاق يتركون رسائلهم
في زجاجاتٍ من رماد.
قالت لي امرأةٌ من ترينيداد:
«حتى الشمس، هنا،
الهاربة من نفسها.»

VIII
كنتُ أرى الإلهة تخرج من القاع
وفي يدها رمحٌ من نسيان،
ترسم على سطح الماء
خارطةً جديدة للوجع.
لم أعد أعرف
هل البحر هو الذي ينطق
أم أنّ الكتابة تهتزّ
حين تمرّ عليه أصابعها.

IX
الأرواح الحمراء،
بشعورٍ تتطاير مثل نارٍ بطيئة،
تغنّي للأرضِ التي خذلتها،
وتقف عند حدود الموج
كأنها تحرس آخر ما تبقّى من العالم.
لقد رأيتُ أحدهم
يضع يده على القيامة
ويسألها:
«هل كنتِ لنا ذات يوم؟»

X
في الليالي المكهربة،
يجلس البحر بين أمريكا وفنزويلا
كوسيطٍ قلق،
ينصت لخطاب البوارج،
ويُخبّئ في عمقه
صوتًا يقول:
«لا تقسموني،
فوقتي الذي يقتل بعضكم
هو الوقت نفسه
الذي أنقذ طفلاً من الغرق.»

XI
المرأة—الجزيرة—الغريبة—العائدة—الغارقة،
تطلّ من طلعة الفجر
كأنها حقل قصبٍ يسرّح شعره للريح.
تقول لي:
«الموج أب.
والجزيرة أم.
أما نحن
فأبناءُ هذه المسافة
التي تبتلع الأسماء.»

XII
تحت المطر الاستوائي،
تتحول الهوية إلى غابة،
نسمع فيها صرخات
منسوبةٍ للخرطوم
وأخرى لسانتو دومينغو،
وثالثة لا نعرف
هل خرجت من فم الأرض
أم من فم عاشقٍ
يبحث عن اسمه في القارب الأخير.

XIII
ثمّ تهبط آلهة البحر،
تصعد فوق السحاب
مثل سفنٍ من فضّة،
وتفتح أكمامها
لتسقط منها كلمات
لم تُكتب بعد.
أحدها قال:
«افتحوا للبحر بابًا
كي يخرج من نفسه.»

XIV
على الحدود التي لا تُرى،
ينعقد التوتر
كغيمةٍ حبلى بالخوف،
ويتحوّل الموج إلى مرايا
ترى فيها الحكومات وجوهها
ولا تعترف بها.
أما نحن،
فنقف على اليابسة
نعدّ خساراتنا
بعد كل موجة.

XV
وفي نهاية الليل،
حين يهدأ الكاريبي
كجسدٍ أنهكه العشق،
يظهر ذلك الطائر الأزرق
الذي خرج من تشظّي الهوية،
يحطّ على كتف البحر
ويقول له:
«يا أبي،
لن ننجو إلا إذا تذكّرنا
أنّ الخوف ليس قارة،
وأنّ الموج — مهما ارتفعت خيانته —
يعرف طريق العودة
إلى صدر العالم.»

________

يتبع

____________

نوفمبر 2025م

 ترانسيت - بورتسودان

تعليقات

المشاركات الشائعة