ديوان : الفولة والبقارة
مصعب الرمادي
الفُولة و البقارة
__________________
الكتاب : الفولة و البقارة
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
* إلى صديقي الناقد السوداني : محمد صالح الربيع محمد صالح البقاري
___________________________
1
يتخفف البقاري من عروجه إلى أمدرمان،
مدججاً بشعوذة الخيبة المتكررة،
أثر اجتراح المجاز المتقنع بنقد الأمل المتبقي،
بانتقاص قدر كمال الفولة النازحة من جغرافيا لا تكف عن تبديل أسمائها،
كأن المدينة كلما أرادت أن تقول أنا،
استدارت نحو المرعى وقالت: أنا أيضاً.
2
الفولة لم تكن مدينةً جاءت من مكتب الوالي،
ولا مرسوماً إدارياً علقته الدولة على مسمار الصباح،
كانت قبل ذلك حكاية طريق،
وكان الطريق يعرف أسماء الذين مروا به أكثر مما تعرفهم سجلات العاصمة،
وكانت البقرة تمشي أمام الخريطة،
فتتبعها الخريطة خجلى من سوء الظن.
3
هناك، حيث لا تكفي كلمة القبيلة لتفسير القبيلة،
كان البقاري يترك ظله في المرعى ويواصل السير،
فالظل لا يحتاج إلى جواز سفر،
ولا يسأل العشب عن مذهب صاحبه،
ولا يطلب الماء شهادة ميلاد،
وحدها الدولة جاءت متأخرة تحمل ختمها وتقول: قف.
4
لكن البقاري لم يكن يعرف الوقوف إلا بوصفه استراحةً للقطيع،
كان الوقوف عنده فعلاً مؤقتاً،
أما الحركة فكانت عقيدةً لا تحتاج إلى كتاب،
يتبع المطر كما يتبع الشاعر استعارةً لم تكتمل،
ويترك خلفه أثراً من حوافر لا تقرأه الخرائط،
ثم يعود في الموسم التالي إلى مكان لم يعد هو المكان.
5
النعم لا تدمغ اللسانيات،
وما لا تمتهن بها مستوطنات الدارفوري والكردفاني،
ما تغلب عليه عطالة المقنع على قبلة الجهيني،
لجذور ضاربة الغور من مزيج المنصهر بفتوحات الإعرابي المتأفرق،
عبر الصحراء الكبرى،
حتى صار الرمل نفسه شاهداً لا يثق في شهادة أحد.
6
قال شيخٌ في سوق الفولة:
النسب شجرة، ولكن الشجرة لا تمشي.
ضحك البقاري وقال:
بل نحن الذين جعلنا الشجرة تمشي معنا.
فمنذ أن حملت القبيلة ماءها في القربة،
لم تعد الأصول تقيم في مكان واحد.
7
لا يجتمع المستقر من سهول المضارب الأمازيغية
لجماعة لا تتوالى مع رحلات المتثيت،
وترسيم حدود الدعاوى المختالة،
بمغالطات الدم الحامي،
ريثما تترع الفولة بموسم الإدبار المقبل،
فتصحو الأنساب من نومها لتجد أن نصفها صار طريقاً.
8
في الفولة كان الحديد يصدأ ببطء،
أما الكلام فكان يصدأ أسرع،
لأن الذين جاءوا من بعيد حملوا معهم تعريفات جاهزة،
قالوا: هذا عربي، وهذا أفريقي، وهذا راعٍ، وهذا مزارع،
ثم اكتشفوا أن الرجل الواحد يستطيع أن يكون كل ذلك
قبل أن يشرب قهوته الأولى.
9
البقرة لم تكن تعرف هذه القسمة.
كانت تمضغ العشب في هدوء من لا يملك قاموساً سياسياً،
وتمنح الحليب لمن جاءها جائعاً،
وتعود إلى القطيع دون أن تسأل:
هل اليد التي حلبتني من الدار أم من دار الأهل؟
وكان هذا هو السؤال الذي أخاف المدينة.
10
في ليلة عاصفة،
دخلت بقرة إلى مبنى حكومي في الفولة،
وقفت أمام الموظف،
فقال لها: أوراقك؟
رفعت قرنيها نحو السقف،
فسقطت من بينهما خريطة السودان،
مبللةً بالمطر.
11
قال الموظف:
أين تسكنين؟
قالت البقرة:
في المكان الذي ينزل فيه المطر.
قال: وما جنسيتك؟
قالت:
جنسيتي أن أجد عشبةً تكفيني حتى الصباح.
12
عندها أدرك الموظف أن الدولة الحديثة
لا تعرف كيف تسجل الكائنات التي تتحرك مع الفصول،
فأخرج دفتراً جديداً،
وكتب في خانة الملاحظات:
«حركة وجودية غير قابلة للترقيم».
13
كان ذلك أول قانون للرعوية،
وأول اعتراف متأخر بأن الطريق ليس فوضى،
وأن المرعى ليس فراغاً،
وأن الذي يذهب وراء الماء لا يكون هارباً،
بل يمارس شكلاً قديماً من أشكال المعرفة،
لا يزال العلم الحديث يتعلم مفرداته.
14
غير أن الكولونيال جاء بخط مستقيم،
وضعه على الأرض،
وقال: هذا حد.
فضحك المرعى،
لأن العشب لم يتعلم الخطوط المستقيمة،
ولأن المطر، منذ أول غيمة،
لم يكن موظفاً لدى الخرائط.
15
هكذا بدأت مأساة الحدود،
حين صار الطريق الذي كان يربط أهلاً بأهل
يسمى معبراً،
وصار المرعى الذي كان مشتركاً
يسمى أرضاً أجنبية،
وصار ابن القبيلة الذي يعبر إلى ابن عمومته
يحتاج إلى ورقة تثبت أنه ليس غريباً.
16
في ذاكرة البقارة،
كان النهر يعرف الجميع،
وكانت الأشجار لا تسأل عن الراية،
وكانت القوافل تضع أسماءها على الغبار،
ثم تمحوها الريح،
كأن أفريقيا كانت تكتب تاريخها
بممحاة السماء.
17
أما الدولة فقد أرادت تاريخاً لا يمحى،
سجلاً،
دفتر نفوس،
بطاقة،
رقماً،
عنواناً.
وكان البقاري يقول:
لكن عنواني يتغير حين يتغير العشب.
18
من هنا بدأت أغلوطة الدار.
قالوا: هذه دار البقارة.
ثم قال آخرون: هذه ليست دارهم.
ثم قالت الحرب:
لا أحد يملك الدار.
ثم قالت الأم العجوز:
الدار لمن يحفظ موتاه فيها.
19
وكانت «دار الأهل» شيئاً آخر،
فهي ليست بيتاً من طين،
ولا قبراً،
ولا حدوداً على ورق،
بل ذلك المكان الذي تستطيع فيه امرأة
أن تنادي اسم ابنها دون أن تخشى أن يرد عليها الرصاص.
20
أما «أهل الدار»،
فقد كانوا أوسع من القبيلة،
لأن الضيف الذي يشرب الماء
يصير للحظة من أهل الدار،
والغريب الذي يشارك في الحريق
يصير شاهداً على البيت،
والعدو نفسه، حين يدخل باب المصالحة،
تتغير صفته في دفتر الذاكرة.
21
الفولة تعرف هذه الأسرار،
لكنها لا تبوح بها للمدن الكبيرة،
لأن المدن الكبيرة تحب التعريفات،
والفولة تحب الحكايات،
والحكاية لا تسكن في خانة،
بل تنام في صدر الراوي.
22
كان الراوي بقارياً،
يحمل في فمه نصف الصحراء،
وفي حنجرته نصف السافانا،
وإذا سعل خرج من فمه غبار طريق قديم،
وإذا ضحك سمعت وراءه أجراس قطيع،
كأن اللغة نفسها صارت مرعى.
23
قال:
لا تسألوني أين يبدأ البقارة.
اسألوا أين ينتهي الطريق.
فإذا انتهى الطريق انتهت الإجابة،
أما قبل ذلك،
فكل ماءٍ احتمال،
وكل عشبٍ وثيقة.
24
في السودان،
كان البقاري يكتشف أن عروبته ليست جداراً،
بل نافذةً مفتوحة على أفريقيا،
وأن أفريقيا ليست نقيضاً للعربية،
بل المكان الذي أعاد إنتاج العربية
بلهجة المطر والقطيع،
وبذاكرة لا تشبه ذاكرة المدن.
25
ثم جاء الباحث،
فتح كتاب الأنساب،
ووضع أصبعه على اسم جهينة،
وقال: هنا البداية.
فقال المرعى:
ربما.
ثم أضافت البقرة:
لكنني كنت هنا أيضاً.
26
وهذه هي الورطة الكبرى في علم الأنساب،
أن الجد يستطيع أن يفسر اسماً،
لكنه لا يستطيع وحده تفسير قرون من المصاهرة،
ولا تبدل اللغة،
ولا انتقال الحيوان،
ولا تبدل الاقتصاد،
ولا ذلك الشيء الغامض الذي نسميه الثقافة.
27
لم يكن البقارة نسخةً من الجزيرة العربية،
كما لم تكن الجزيرة العربية تنتظر أن تصبح سوداناً.
كان بينهما طريق طويل،
وفي الطريق حدثت الأشياء كلها:
الزواج، التجارة، الحرب، المصالحة،
ثم جاءت أفريقيا لتقول: سأضيف اسمي.
28
وحين وصلت القافلة إلى تشاد،
وجدت عرباً آخرين،
وحين عبرت إلى أفريقيا الوسطى،
تغير لون الطريق،
وحين اقتربت من الكاميرون ونيجيريا،
كانت بحيرة تشاد تشبه مرآةً مكسورة
ترى فيها القبيلة نفسها بأكثر من وجه.
29
لم يكن البقارة يعرفون أن الحدود ستصبح ذات يوم
أكثر قوة من القرابة،
فقد كان ابن العم يعبر الأرض،
أما الدولة فكانت تعبره بالسؤال:
من أنت؟
وكان يقول:
أنا الذي تعرفه البئر حين أعطش.
30
في الساحل،
كانت الأبقار تمشي تحت شمس لا ترحم،
وكان العشب قليلاً،
لكن الأمل كان أكثر من العشب،
لأن الرعوي لا يعيش على وفرة الأشياء،
بل على مهارة العثور عليها.
31
هنا تتعلم الرعوية فلسفتها الأولى:
أن الندرة ليست موتاً،
بل فناً من فنون الحركة.
وأن الإنسان الذي يعرف طريق الماء
يمتلك خريطةً لا يستطيع الجغرافي
أن يرسمها كاملة.
32
لكن المناخ تغيّر.
والسماء نفسها صارت أقل وعداً.
تراجع المطر،
وتقدمت الصحراء،
وانكمش المرعى،
ثم بدأ الصراع على الشيء الذي كان متاحاً للجميع:
الماء.
33
عندما يقل الماء،
تصبح القبيلة أكثر ظهوراً،
لا لأن القبيلة خلقت الصراع،
بل لأن الندرة تستدعي الأسماء،
والخوف يحب أن يلبس اسماً،
والسياسة تعرف كيف تستخدم الخوف.
34
ثم جاء السلاح،
وكان السلاح غريباً عن لغة المرعى،
لكنه سريع التعلم.
حملته أيدٍ كثيرة،
ثم صار القطيع يمشي وراء بندقية،
بدلاً من أن يمشي وراء المطر.
35
وهنا ارتكبت الصحافة خطأها القديم:
اختزلت البقاري في صورة المقاتل،
واختزلت المرعى في صورة المعركة،
واختزلت التاريخ في خبر عاجل،
حتى بدا أن البقرة لم تكن موجودة أصلاً.
36
لكن البقرة كانت هناك،
تنظر إلى الكاميرا بعيون واسعة،
لا تفهم لماذا صار اسمها جزءاً من الحرب،
ولا لماذا أصبح الراعي في الشاشة
أكثر شهرة من الراعي في الحقل،
ولا لماذا صار الموت خبراً
وصار الحليب هامشاً.
37
قالت البقرة للصحفي:
اكتب عني أيضاً.
قال: أنا أبحث عن المقاتلين.
قالت:
لكن الذين يموتون في الحرب
ليسوا وحدهم الذين يصنعون التاريخ.
38
وهكذا دخلت البقرة الأدب،
لا باعتبارها حيواناً،
بل باعتبارها شاهدةً على الإنسان،
على انتقاله من الكلأ إلى البندقية،
ومن الخيمة إلى الإدارة،
ومن الطريق إلى الحدود.
39
في الرواية السودانية،
يمكن للفولة أن تكون مدينةً كاملةً
تقف على ظهر بقرة.
وفي القصيدة،
يمكن للقطيع أن يتحول إلى استعارةٍ للبلاد،
كل رأس فيه جهة،
وكل جرس فيه سؤال.
40
لكن الأدب ظل متردداً،
لأنه اعتاد أن ينظر إلى الخرطوم،
إلى النيل،
إلى القصر،
إلى الشارع،
ونسي أن هناك سوداناً آخر
يمشي على أربع.
41
كان ذلك السودان يكتب روايته بالعشب،
ويضع علامات الترقيم عند موارد المياه،
ويستخدم الأبقار كفواصل،
والخيول كعلامات تعجب،
والصحراء كنقطة نهاية،
ثم يترك المطر ليعيد كتابة النص.
42
الفولة في المخيال الأدبي
ليست مجرد عاصمة ولاية،
إنها غرفة انتظار بين زمنين،
فيها كرسي الدولة،
وظل القبيلة،
وحذاء الراعي،
وملف الموظف،
وصوت امرأة تنتظر عودة ابنها.
43
كلما دخلت الدولة المدينة
دخل معها قاموسها:
المواطن،
المؤسسة،
الحدود،
التنمية،
الأمن.
لكن الفولة كانت تخبئ في درجها قاموساً آخر:
المرعى، الماء، المسار، الحلال، الدار.
44
وهنا بدأ الصراع الحقيقي،
ليس بين البقارة والدولة،
بل بين قاموسين،
قاموس يريد الأرض ثابتة،
وقاموس يعرفها متحركة،
قاموس يرسم الطريق،
وقاموس يمشيه.
45
لم يكن الراعي ضد الدولة،
كما لم تكن الدولة بالضرورة ضد الراعي،
لكن كلاً منهما كان يتخيل المكان بطريقة مختلفة،
فالدولة تريد حدوداً،
والرعوية تريد ممرات،
والحل لا يولد من إلغاء أحدهما.
46
كان يمكن للفولة أن تكون مختبراً لهذا اللقاء،
لكن السياسة حولتها إلى مسرح،
والسلاح حول المسرح إلى دخان،
ثم جاء المتفرجون من المدن البعيدة
ليسألوا: من انتصر؟
ولم يسأل أحد: ماذا بقي من الدار؟
47
الدار يا سادة
ليست جغرافيا فقط،
إنها ما يبقى من الإنسان
حين تنتهي الخريطة.
دار الأهل ليست المكان الذي وُلدنا فيه فحسب،
بل المكان الذي نستطيع أن نعود إليه
دون أن نخاف من الذين يعرفون أسماءنا.
48
أما توهم الدار،
فهو أن يعتقد المرء
أن ملكية الأرض تمنحه ملكية الذاكرة،
وأن النسب يمنحه حق إلغاء الآخرين،
وأن الماضي يملك المستقبل،
وأن القبيلة تستطيع أن تكون دولةً
والدولة تستطيع أن تكون قبيلة.
49
كل ذلك أوهام،
لأن التاريخ أكثر مراوغةً من السيف،
والذاكرة أكثر اتساعاً من القبيلة،
والإنسان الذي يولد في الفولة
قد يحمل في دمه حكايات من أماكن
لم يرها قط.
50
في منتصف المطولة
ظهرت بقرة بيضاء،
قالت إنها قادمة من الهند،
وأخرى قالت إنها من مصر،
وثالثة من الفرات،
ورابعة من بحر العرب،
ثم سألن جميعاً:
لماذا يصر الإنسان على أن يجعلنا حدوداً؟
51
قالت البقرة المصرية:
جعلوني سماءً.
وقالت البقرة الهندية:
جعلوني أماً.
وقالت بقرة البقارة:
جعلوني طريقاً.
وقالت بقرة المصنع:
جعلوني رقماً.
52
ثم سكتن.
لأن الإنسان كان قد جعل من كل شيء رمزاً لنفسه،
حتى الحيوان لم يعد يستطيع أن يكون حيواناً،
فهو مرة إله،
ومرة قربان،
ومرة سلعة،
ومرة استعارة.
53
في مصر القديمة
كانت البقرة تحمل السماء بين قرنيها،
وفي الهند كان جسدها يوقظ أسئلة القداسة،
وفي الشرق الأدنى صار العجل صورةً للفتنة،
وفي السودان صار القطيع مقياساً للثروة،
وفي المصنع الحديث
صار الحليب رقماً في جدول.
54
لكن البقرة لم تتغير كثيراً،
الذي تغير هو الإنسان.
كل عصر يضع مرآته في عين الحيوان،
ثم يندهش حين يرى نفسه.
55
في الفولة،
كانت البقرة تضحك من كل هذه النظريات،
تقول:
أنا أريد ماءً.
وكان الفيلسوف يقول:
الماء رمز.
فتقول:
بل الماء ماء،
وأنتم الذين حولتم العطش إلى فلسفة.
56
وكانت هذه أعظم حكمة في المطولة:
أن لا نجعل المجاز ستاراً على الحاجة،
فالمجتمع الرعوي يحتاج إلى المرعى قبل أن يحتاج إلى التأويل،
ويحتاج إلى الطريق قبل أن يحتاج إلى الخريطة،
ويحتاج إلى السلام قبل أن يحتاج إلى خطاب الهوية.
57
ومع ذلك،
لا يمكن اختزال البقارة في حاجتهم إلى الماء،
لأن لهم موسيقاهم،
وشعرهم،
وأسماء حيواناتهم،
وذاكرتهم،
وطريقتهم الخاصة في تحويل الطريق إلى حكاية.
58
كان البقاري يعرف بقرةً واحدةً
كما يعرف شاعرٌ بيتاً من قصيدته،
لونها،
مشيتها،
قرناها،
مزاجها،
أمها،
وتاريخها.
وكان اسمها أحياناً أطول من اسم رجل.
59
لذلك فإن اختفاء القطيع
ليس اختفاء ثروة فقط،
بل اختفاء أرشيف شفوي،
فحين تموت البقرة
قد تموت معها قصةٌ لم تُكتب،
وبيت شعر لم يسجل،
واسم امرأة لم يذكره المؤرخون.
60
هنا يجب أن يدخل الأدب،
لا لكي يجمّل البقارة،
ولا لكي يجعل منهم أبطالاً أسطوريين،
بل لكي يسمع أصواتهم
بعيداً عن الضجيج الذي صنعته البنادق.
61
فالبقارة ليسوا مليشيا،
كما أن الخرطوم ليست حكومةً فقط،
والفولة ليست جبهةً عسكرية،
والدارفوري ليس تعريفاً أمنياً،
والكردفاني ليس رقماً في تقرير،
والراعي ليس صورةً في نشرة.
62
هذه هي مهمة النقد:
أن يسترد الإنسان من الصورة النمطية،
وأن يفكك القناع الذي وضعته السياسة،
وأن يقول إن المجتمع أكبر من ممثليه المسلحين،
وإن التاريخ أوسع من اللحظة،
وإن القبيلة لا تُقرأ من بندقية.
63
قبل الكولونيالية،
كانت الصراعات موجودة،
وكانت المنافسة على الموارد موجودة،
وكانت السلطة موجودة،
وكانت القبيلة تعرف الحرب والمصالحة،
لكن الدولة الاستعمارية أعادت ترتيب الأشياء
بلغة جديدة.
64
صارت القبيلة ملفاً،
وصار الزعيم وظيفة،
وصارت الأرض تصنيفاً،
وصار الطريق مساراً إدارياً،
وصار المجتمع الذي كان يتحرك
موضوعاً للإدارة.
65
ثم ورثت الدولة الوطنية كثيراً من خرائط المستعمر،
ورثت الحدود،
والسجلات،
والتصنيفات،
لكنها لم ترث دائماً
القدرة على التفاوض مع الحركة القديمة.
66
وهكذا أصبح البقاري مواطناً
يحمل في داخله راعياً،
وأصبح الراعي مواطناً
يحمل في يده بطاقة،
وبين الاثنين
مسافة طويلة من سوء الفهم.
67
كان يمكن للتنمية أن تكون جسراً،
لكنها جاءت أحياناً من أعلى،
بلا إصغاء إلى أسفل،
فبنت الطرق دون أن تفهم المسارات،
وأقامت المشاريع دون أن تفهم الذاكرة،
ثم سألت لماذا لا يفرح الناس.
68
وفي غرب كردفان
صار النفط امتحاناً آخر،
فالثروة خرجت من باطن الأرض،
لكن سؤال العدالة بقي فوقها،
وصارت الفولة تنظر إلى الآبار
كما ينظر طفل إلى بيت مضاء
لا يعرف لماذا لا يستطيع الدخول.
69
ثم جاءت الحرب،
فصار النفط جزءاً من الجغرافيا السياسية،
وصارت المدينة أكثر هشاشة،
وصار المواطن العادي
يبحث عن طريق إلى صباح عادي،
لا عن انتصار في نشرات الأخبار.
70
وفي مكان آخر من العالم،
كان بقاري آخر يعيش في تشاد،
وبقاري ثالث قرب بحيرة تشاد،
ورابع في أفريقيا الوسطى،
وخامس يحمل العربية في مكان
لم يكن يعرف الخرائط التي رسمها المستعمر.
71
كان الحزام البقاري أوسع من السودان،
لكن الاسم لم يكن دائماً واحداً،
فالتاريخ لا يتكرر حرفياً،
والقبيلة حين تعبر الحدود
لا تعبرها كما هي،
بل تعيد بناء نفسها في الطريق.
72
ومن هنا ينبغي ألا نصنع أسطورة الوحدة المطلقة،
فليس كل من حمل اسم البقارة واحداً،
ولا كل من رعى البقر بقارياً،
ولا كل تشابه في الاسم دليلاً على وحدة النسب،
فالتاريخ يحتاج إلى شكٍّ جميل
كي لا يتحول إلى يقينٍ أعمى.
73
حتى «البقارة» في الفرات
كان لهم تاريخ آخر،
في سوريا والعراق،
حيث التقت العشيرة بالنهر،
والبادية بالزراعة،
واللغة بالمدينة،
وصار الاسم يعيش في جغرافيا أخرى.
74
قالت بقرة الفرات لبقرة الفولة:
أنا أعرف النهر.
قالت الأخرى:
وأنا أعرف السافانا.
ضحكتا معاً،
ثم اكتشفتا أن الإنسان
هو الذي يحتاج دائماً إلى أن يثبت أنه مختلف.
75
وفي الخليج،
كانت البقرة تأتي من بعيد،
مع التجارة والهجرة والماشية،
بينما كان تاريخ الجزيرة العربية
يحتفظ بثقافته الرعوية المختلفة،
فتجاورت الإبل والأبقار والأغنام
دون أن تطلب من بعضها شجرة نسب.
76
لم تكن الجزيرة العربية مجرد أصل،
كما لم تكن أفريقيا مجرد محطة،
فالتاريخ بينهما بحر أحمر،
وطريق حج،
وقافلة،
وسوق،
وزواج،
ولغة تتغير كلما عبرت ماءً جديداً.
77
وفي جنوب الجزيرة،
حيث الخضرة أكثر حضوراً،
كانت الأبقار تعرف الجبل والمطر،
وكان الإنسان يكتشف أن الحيوان
يتغير حين تتغير البيئة،
وأن الثقافة ليست سوى
ذاكرة الجغرافيا في جسد الإنسان.
78
هكذا يصبح البقاري
ليس ابن الصحراء وحدها،
ولا ابن السافانا وحدها،
بل ابن التحول بينهما،
ابن المسافة،
ابن الطريق الذي لا يعرف
أين تنتهي أفريقيا وأين تبدأ آسيا.
79
كان ذلك هو الامتداد الأوسع،
لا امتداد الدم وحده،
بل امتداد الرعي،
وامتداد اللغة،
وامتداد السوق،
وامتداد الذاكرة،
وامتداد الإنسان الذي يبحث عن مكان يصلح للحياة.
80
في تلك اللحظة
خرجت الفولة من الخريطة،
صارت سفينة،
وحملت معها غرب كردفان،
وعلى سطحها البقارة،
وفي عنبرها الأبقار،
وفي أعاليها شجرة سدر
تسأل البحر: إلى أين؟
81
قال البحر الأحمر:
إلى الخليج.
قال الخليج:
إلى الجزيرة.
قالت الجزيرة:
إلى الشام والعراق.
قال الشام:
إلى أفريقيا.
وضاعت الجهات
لأن التاريخ ليس دائرةً لها بداية واحدة.
82
في الليل،
عاد الكولونيال إلى الفولة،
يحمل مسطرةً ضخمة،
يريد أن يقيس المرعى.
قال له الراعي:
قس السماء أولاً.
فإذا استطعت أن تثبت المطر
سأصدق حدودك.
83
غضب الكولونيال،
وضرب المسطرة في الأرض،
فخرجت منها شجرة،
وعلى الشجرة علقت كل الخرائط،
ثم جاءت عنزة صغيرة
وأكلت الحدود.
84
استيقظ الحاكم مذعوراً،
فأمر بتشكيل لجنة للتحقيق،
لكن اللجنة لم تجد العنزة،
وجدت فقط آثار حوافر،
فكتبت في تقريرها:
«المرعى يرفض التعاون مع الدولة».
85
وكان ذلك التقرير،
في السخرية السوداء للتاريخ،
أقصر وثيقة عن الرعوية،
لأن الرعوية لا ترفض الدولة،
إنما ترفض أن تتحول الحياة
إلى جدول مغلق.
86
في الصباح،
دخل المثقف المدينة،
قال: القبيلة مشكلة.
دخل الراعي بعده،
قال: المشكلة ليست القبيلة.
دخل الجندي،
قال: المشكلة الأمن.
دخلت المرأة،
قالت: المشكلة أنكم لا تسمعون.
87
سكت الجميع.
فالمرأة كانت تحمل في يدها
جرة لبن،
وفي الأخرى صورة ابن غائب،
وقالت:
أنتم تتحدثون عن الدولة والقبيلة،
وأنا أتحدث عن بيت ينتظر.
88
ومن هنا تبدأ رواية أخرى للفولة،
رواية النساء اللواتي لا تظهر أسماؤهن في الخرائط،
والأطفال الذين يعرفون الطريق إلى الماء
قبل أن يعرفوا طريق المدرسة،
والشيوخ الذين يحملون ذاكرة الصلح
كما يحمل آخرون السلاح.
89
إن المجتمع البقاري لا يحتاج إلى تمجيد،
بل إلى قراءة،
ولا يحتاج إلى تبرئة أسطورية،
بل إلى نقد،
ولا يحتاج إلى إدانة جماعية،
بل إلى عدالة تفصل بين الإنسان
والفاعل السياسي الذي يتحدث باسمه.
90
فليست كل بندقية قبيلة،
وليست كل قبيلة بندقية،
وليست كل مدينة دولة،
وليست كل دولة داراً،
وليست كل دار وطناً،
لكن الوطن يبدأ حين يصبح الجميع قادرين على العودة.
91
الفولة، إذن، ليست نهاية البقارة،
كما أن البقارة ليسوا ماضي الفولة،
بل كلاهما يتبادلان الزمن،
المدينة تأخذ من المرعى حركته،
والمرعى يأخذ من المدينة مؤسساتها،
وبينهما يولد شكل جديد للعيش.
92
ذلك هو الاختبار الكردفاني،
ليس اختبار النسب،
بل اختبار القدرة على التحول،
كيف ينتقل مجتمع رعوي
من الخيمة إلى الجامعة،
ومن القطيع إلى السوق،
ومن شيخ القبيلة إلى المواطن المدني
دون أن يفقد ذاكرته.
93
والتحول الحضاري لا يعني محو القديم،
فالحداثة التي تطلب من البقاري
أن يخجل من طريقه
حداثة ناقصة،
والتراث الذي يمنعه من التعلم
تراث قد تحول إلى قيد.
94
أما المدينة العاقلة
فهي التي تقول للراعي:
ادخل،
ولا تترك قطعيانك عند الباب.
تعال بذاكرتك،
بلهجتك،
بأغنيتك،
ثم تعلم معنا كيف نبني مدينة لا تكره المرعى.
95
وكانت البقرة قد وصلت إلى نهاية المدينة،
نظرت إلى العمارات،
ثم إلى العشب البعيد،
وقالت:
كل هذه الجدران،
ولم تبنوا حتى الآن
غرفةً للمطر.
96
ضحك البقاري،
وبكى الموظف،
وكتب الشاعر قصيدة،
وأغلق المؤرخ كتاب الأنساب،
لأن السؤال لم يعد: من أين جئنا؟
بل: كيف سنعيش معاً
في المكان الذي وصلنا إليه؟
97
وعند الغروب،
خرجت الفولة من جلدها القديم،
لم تعد عاصمةً فقط،
ولا سوقاً فقط،
ولا مدينةً في حرب،
صارت ذاكرةً مفتوحة،
تسع البقاري والدارفوري والكردفاني والغريب
ما دام الجميع يعرفون أن البيت أكبر من اسمه.
98
ثم عادت الأبقار من المرعى،
واحدةً واحدة،
وكانت أجراسها تصنع موسيقى
لا تحتاج إلى ترجمة،
موسيقى تقول إن الأرض
لم تكن يوماً ملكاً للحرب،
وأن الطريق أقدم من البندقية.
99
في آخر الليل،
جلس البقاري أمام الفولة،
ووضع عصاه على الأرض،
وقال للمدينة:
أنتِ دارنا إذا اتسعت،
وأنتِ غربتنا إذا ضاقت،
وأنتِ مرآتنا إذا صدقت،
فلا تجعلي أهلك غرباء في دارهم.
100
وفي الفجر،
حين لم يبقَ من الليل إلا خيط أسود
معلقاً في قرن بقرة،
مشت الفولة وراء القطيع،
ومشى القطيع وراء المطر،
ومشى المطر وراء الغيمة،
ومشت الغيمة وراء ذاكرة الإنسان،
حتى وصل الجميع إلى مكان لا تحده الخريطة،
فقالت البقرة:
هنا تبدأ الدار.
وقال البقاري:
هنا تبدأ الحكاية.
وقالت الفولة، وهي تفتح أبوابها للذين عادوا:
هنا لا يكون أهل الدار غرباء عن دارهم،
ولا تكون الدار سجناً لأهلها،
ولا يكون المرعى مبرراً للحرب،
ولا تكون الدولة سيفاً على الطريق،
بل يصبح الطريق نفسه
أول دستور للحياة.
______
أكتوبر 2019م
بيت الثقافة - القضارف


تعليقات
إرسال تعليق