ديوان : أمام كاتدرائية القديس بطرس
أمام كاتدرائية القديس بطرس

مصعب الرمادي
أمام كاتدرائية القديس بطرس
____________________________
الكتاب : أمام كاتدرائية القديس بطرس
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2019م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
__________________________
"ليست
هذه كاتدرائية فاتيكانية،
بل كاتدرائية قاهرية بذاكرةٍ مزدوجة؛
تصلّي بلغة الطقس، وتحلم بلغة المدينة،
وتعرف أن القداسة حين تسافر تغيّر لهجتها كي تبقى ".
_____________________________
متحف الحجر
I
أمام الكاتدرائية، يتباطأُ الزمن كشيخٍ يفتّش عن اسمه في جيوب الذاكرة. الحجر هنا لا يُبنى بل يُستعاد، طبقة فوق طبقة، كأن العباسية حلمٌ تكرّر حتى صدّق نفسه. المدينة تمرّ، والكاتدرائية تبقى، شاهدةً لا قاضية. في البهو الأول، يتهجّى الضوء صلاته على جبين الغبار. تقول الأسطورة: كل حجرٍ صلّى مرّة، ثم نسي اللغة. وأنا أتعلم النسيان كطقسٍ أوليّ. المدخل عتبة بين زمنين يتصافحان بلا أسماء.
II
يقال إن العباسية كانت معسكرًا، ثم صارت حكاية. الجنود رحلوا وبقيت خطواتهم مربوطةً في الممرات. الكاتدرائية لم تُولد عالية؛ اختارت القامة المصرية. هنا العلوّ أخلاق، لا هندسة. الريح تعبر كشمّاسٍ عجوز ينسى المزمور. والحجر يُنصت، لأن الإنصات هو صلاته المفضّلة. القاهرة تضع يدها على كتف المبنى وتقول: اصبر.
III
في الصحن، يتشظّى السرد إلى مقاطع كالعظام. كل عمود حكاية، وكل قوس استعارةٌ تعبت. الأسطورة الشعبية تقول: الأعمدة تحفظ أسماء الأطفال الذين ضاعوا. أقرأ الاسم في الصمت، وأتعلّم أن الصمت نص. الزمن هنا لا يتقدّم؛ يدوّر نفسه كسبحة. المدينة خارج الجدار تسرع، وداخله تهذّب أنفاسها. هكذا تُدرّس الكاتدرائية فن البطء.
IV
الضوء ليس ضوءًا، بل ذاكرة شفافة. يتلوّن ليعلّم العين أخلاق الرؤية. في الزجاج الملوّن، تتجاور القداسة والكسور. الخرافة تقول: من يلمس اللون يشفى من استعجاله. ألمس بعيني، فتُشفى الفكرة من يقينها. القاهرة تحب هذا التردّد؛ يشبه نيلها. الكاتدرائية تبتسم بلا فم.
V
هنا كرسيّ، لكن السلطة ليست جالسة. الكرسي أثر، والغياب معنى. الجامع في الجوار يسجد، والكاتدرائية تنظر. بين السجود والنظر، تتشكّل المدينة. الأسطورة: الله يمرّ مرتين—مرة قائمًا ومرة منحنياً. الزمان يصفّق لهذا التوازي. وأنا أتعلم أن المقارنة صلاة أخرى.
VI
العباسية تروي حكايتها بلهجةٍ خافتة. كانت حدًّا فاصلاً، ثم صارت وصلاً. الكاتدرائية تحرس هذا التحوّل بلا سلاح. الحجر يتذكّر ما ننساه عمدًا. الخرافة تقول: الجدران تسمع الشائعات وتغفر. لهذا لا تنهار. القاهرة تمتحن الصبر، والمبنى ينجح.
VII
في المذبح، تتكثّف القصة دون ذروة. لا انتصار هنا، بل مواظبة. القداسة عملٌ يوميّ، ككنس الساحة. الأسطورة: الملائكة تتعب وتستريح على الرخام. أرى آثار أقدامٍ لا تُرى. المدينة تبتلع معجزاتها كي تعيش. الكاتدرائية تحفظ الفتات بعناية.
VIII
القبة ليست سماءً مصغّرة، بل سؤالاً معقودًا. لماذا نرفع رؤوسنا؟ الجواب معلّق مثل مصباح. الخرافة الشعبية تقول: من يسأل يُضاء. أرفع السؤال، فينخفض الغرور. القاهرة تتعلّم من هذا الاقتصاد في العلو. الحجر يعلّم الفكرة كيف تقف.
IX
الزمن القبطي يمرّ من هنا، بلا ضجيج. القرون تتصافح عند الباب. الكاتدرائية دفتر حضور للغياب. الأسطورة: الشهداء لا يموتون؛ يبدّلون اللغة. أسمع اللغة الجديدة كنسيم. المدينة تحفظ أسماءها في الطرقات. وهنا تُستعاد بلا لافتات.
X
في المقاعد، يجلس الانتظار. الانتظار ليس فراغًا؛ هو شكل من الإيمان. الكاتدرائية تفهم هذا الدرس جيدًا. الخرافة: من انتظر طويلًا صار حجرًا نبيلًا. النبالة أن تبقى. القاهرة مدينة البقاء. وهذا المبنى ابنها.
XI
الخارج يعجّ بالسيارات، الداخل يربّي الصمت. الحدّ بينهما رقيق كستارة. الكاتدرائية لا تعادي العالم؛ تهذّبه. الأسطورة: الصمت يربح إذا طال النفس. أجرّب النفس الطويل. المدينة تنجح حين تصغي. الحجر يصفّق بلا صوت.
XII
التاريخ هنا ليس لوحةً، بل ندبة. الندبة دليل شفاء. الكاتدرائية لا تخفي آثارها. الخرافة: الجرح الذي يُرى أقلّ ألمًا. أرى، فأفهم. القاهرة مدينة الجراح المرئية. ولهذا تعيش.
XIII
في التفاصيل الصغيرة، يسكن المعنى. مقبض باب، شمعة، ظلّ. الأسطورة: الأشياء الصغيرة تحرس الكبيرة. الكاتدرائية تؤمن بالحراسة. المدينة أيضًا. التاريخ يمرّ حافيًا هنا. والحجر يلبسه الصبر.
XIV
المكان يعلّم الزمان الانحناء. الزمان يعلّم المكان الحكاية. بينهما يولد النص. الخرافة: من جمع بينهما صار راويًا. أروي وأنا أمشي. القاهرة تمشي وتروي. والكاتدرائية تحفظ الخطى.
XV
الأسطورة الدينية لا تُكذَّب هنا؛ تُستضاف. تجلس وتُقدَّم لها ماء. الكاتدرائية بيت ضيافة للحكايات. الحقيقة تدخل متأخرة. المدينة تحب هذا الترتيب. الحجر يعرف آداب الزيارة. وأنا أتعلم الأدب.
XVI
حين أغادر، لا أغادر. شيءٌ يبقى في الجيب. الكاتدرائية تعطي دون أن تودّع. الخرافة: من زار عاد في حلم. أعدّ الحلم طريقًا. القاهرة مدينة الأحلام المؤجَّلة. والحجر شاهد.
XVII
هكذا يكتمل متحف الحجر. ليس متحفًا، بل زمنًا يُزار. الكاتدرائية نصٌّ يُعاد تأليفه بالمشي. الأسطورة تبتسم لأنها لُقِطت. التاريخ يهدأ. القاهرة تواصل حياتها. وأنا أكتب لأبقى واقفًا بين زمنين
______
سبتمبر 2019م
كاتدرائية القديس بطرس - القاهرة


تعليقات
إرسال تعليق